تواصل مجلة مباشر
TV مباشر
اتصل بنا اعلن معنا   ENGLISH

نيويورك تايمز: حان وقت سداد أردوغان فاتورة الديون

نيويورك تايمز: حان وقت سداد أردوغان فاتورة الديون

تحرير: سالي إسماعيل

مباشر: يعطي التوبيخ الصادم للحزب الحاكم في تركيا خلال الانتخابات البلدية التي أُجريت يوم الأحد الماضي في إسطنبول صدى يفوق لهفة القيادة الجديدة في أكبر مدينة بالبلاد.

وتشير نتائج الانتخابات في إسطنبول إلى الإحباط المتزايد حيال الكارثة الاقتصادية التي حلت بتركيا تحت حكم رجب طيب أردوغان، بحسب رؤية تحليلة نشرتها صحيفة "نيويورك تايمز".

وعلى مدى 16 عاماً من الحكم كقائد أعلى لتركيا، فإن أردوغان نفذ وعوداً بشأن تحقيق نمواً اقتصادياً قوياً.

وبطريقة مماثلة للشخص الرياضي الذي يحطم الأرقام القياسية من خلال تناول عقاقير منشطة، فقد أنتج أردوغان نمواً اقتصادياً من خلال اللجوء الشديد إلى الديون.

ولقد أطلق الرئيس التركي العنان لحصول مقربيه في قطاعي العقارات والبناء على ائتمان، ما عزز الآفاق بمشاريع البنية التحتية الضخمة.

لكن حان وقت سداد الفاتورة، حيث أنه على مدى آخر عامين انتبه خبراء المالية لأعباء الديون الهائلة التي تواجه الشركات التركية الكبرى كما تصاعدت المخاوف من الآفاق المشكوك فيها بشكل متزايد فيما يتعلق بإمكانية السداد الكامل للديون.

وقام مستثمرون بنقل أموالهم خارج البلاد، ما هبط بقيمة العملة التركية (الليرة) بأكثر من 40 بالمائة مقابل الدولار الأمريكي.

وكانت النتيجة أن معدل التضخم يقف في حدود 19 بالمائة بمعدل سنوي، ما يجعل الأشخاص العاديون والشركات محاصرون على حد سواء.

ويضطر المزارعون لدفع أسعار أعلى بشكل حاد مقابل الأسمدة المستوردة والحصول على الوقود لجراراتهم.

وبالتالي تدفع العائلات تكلفة أعلى مقابل الحصول على الخضروات والبيض، كما ترتفع تكاليف المصانع بصورة إضافية لشراء المكونات المستوردة مثل الإلكترونيات وقطع الغيار.

وتجاوز معدل البطالة الرسمي في تركيا 14 بالمائة.

ومن الأمور المثيرة للقلق الشديد أن الشركات التي مكنت أردوغان من تحقيق الطفرة في قطاع البناء شهدت تدهور ميزانيتها العمومية مع هبوط الليرة التركية.

والكثير من ديون تلك الشركات مسعرة بالدولار، وهو ما يعني أن أعبائهم تتفاقم مع فقدان العملة التركية قيمتها، في حين أن معظم إيراداتهم تكون بالليرة التركية، ما يمثل عدم توافق مميت على الأرجح يهدد بحالة من الإفلاس.

وبنهاية عام 2018 كانت تركيا تشهد ديوناً متوسطة وطويلة الآجل بقيمة 328 مليار دولار من العملات الأجنبية غالبيتها بالدولار، طبقاً لبيانات رسمية.

وكانت الشركات الخاصة مسؤولة عن حوالي ثلثي هذه الديون.

كما أن تلك الشركات الخاصة مديونة بمبلغ إضافي بقيمة 138 مليار دولار من الديون بالعملات الأجنبية والتي يحل موعد سدادها في العام المقبل.

وبالنظر إلى الناتج المحلي الإجمالي لتركيا والذي كان يبلغ حوالي 766 مليار دولار في العام الماضي، فإن هذه الديون ضخمة.

ولقد أعطى هذا الدين تركيا وضعاً غير مرغوب فيه وهو أنها أصبحت ثاني أكثر دولة عرضة لخطر الوقوع في أزمة شاملة بعد الأرجنتين.

ويفسر الهلع الشديد بشأن فترة أردوغان عوامل أخرى تتجاوز الشق الاقتصادي.

وبعد أن قام أردوغان بتطوير السلطة من خلال تقليص دور الجيش في الحياة الوطنية وتمكين المسلمين من ممارسة عقيدتهم خالية من وضع العلمانية الذي فرضته الدولة، هاجم في السنوات الأخيرة المؤسسات الديمقراطية عبر سحق المعارضة والاستيلاء على ممتلكات أعدائه إضافة لتكميم الصحافة، على حد وصف التقرير.

وبعد اختيار تكليف حزب المعارضة الرئيسي (حزب الشعب الجمهوري) بالسيطرة على إسطنبول - المدينة التي بدأ فيها أردوغان حياته السياسية قبل ربع قرن من الزمن - بدا الناخبون وكأنهم يعبرون عن تعاسة عامة ضد وسائل الحكم تلك.

لكن القاسم المشترك في الحياة التركية أو العامل الذي يتجاوز الانقسامات السياسية التقليدية، هو القوة الحاسمة للاتجاه الهابط في الاقتصاد.

ومعدل التضخم مرتفع للغاية كما أن الأجور الحقيقية آخذة في الهبوط كما أن الناس تفكر في أنه يتعين عليهم إدخار الأموال بدلاً من إنفاقها، بحسب رؤية كبير خبراء الاقتصاد الأسواق الناشئة في جامعة أكسفورد للاقتصاد في لندن.

ويضيف "نافذ زوك" أن الأتراك فقدوا ثقتهم في عملتهم وقوتها الشرائية.

وتتمتع تركيا بنقاط قوة اقتصادية هائلة، حيث يبلغ عدد سكانها من الشباب نسبة كبيرة من إجمالي السكان البالغ حوالي 80 مليون نسمة إضافة إلى طبقة وسطى متنامية وموقع على مفترق الطرق بين أوروبا وآسيا فضلاً عن مناظر طبيعية رائعة تدعم صناعة السياحة الكبرى.

لكن تركيا كانت تعتمد منذ فترة طويلة على السلع المستوردة والأموال المقترضة بالعملة الأجنبية، ما يجعل الهبوط في الليرة أمراً مؤلماً بشكل خاص.

ودخل الاقتصاد في مرحلة ركود اقتصادي خلال النصف الأخير من عام 2018.

لكن النمو الاقتصادي المعتدل تم استئنافه خلال الثلاثة أشهر الأولى من عام 2019، ليرتفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.3 بالمائة مقارنة مع الربع السابق له.

لكن معظم الاقتصاديين اعتبروا هذا النمو الاقتصادي بمثابة ظاهرة مؤقتة، نتيجة للإنفاق العام الذي قدمه أردوغان لتعزيز حظه قبل الانتخابات المحلية في أواخر مارس/آذار الماضي.

ويبدو أن الموقف الأساسي قاتماً، مع عدم وجود مساراً واضحاً نحو أيام أفضل.

ولقد حافظ البنك المركزي في تركيا على معدلات الفائدة قصيرة الآجل عند 24 بالمائة لمنع تخارج مزيداً من الأموال.

وتجذب معدلات الفائدة المرتفعة المستثمرين بعوائد تدفعهم لقبول مخاطر إبقاء أموالهم داخل تركيا.

لكن معدلات الفائدة المرتفعة كذلك تجعل الاقتراض أكثر تكلفة بالنسبة للشركات التركية والمستهلكين الأتراك، ما يقلص مبيعات السيارات ويحبط تدشين مشاريع جديدة إضافة للحد من النشاط الاقتصادي بشكل عام.

واشتهر أردوغان بموقفه المعارض لمعدلات الفائدة المرتفعة كونها السبب المثير للتضخم، كما دعا لخفضها من أجل استعادة النمو الاقتصادي على المسار الصحيح.

وأدى تصعيد أردوغان لصهره (بيراق البيرت) كمشرف اقتصادي في العام الماضي إلى تدمير الثقة الهشة التي بقيت في استقلالية البنك المركزي التركي.

ويستطيع أردوغان أن يستخدم سلطاته في إقرار خفضاً بمعدلات الفائدة وإرسال قفزة أخرى من الائتمان عبر الاقتصاد - على الأقل لبعض الوقت - ما يجعل الشركات تشعر بتحسن حيال آفاقها المستقبلية.

كما يمكنه أن يضيف مزيداً من الإنفاق الحكومي للاستفادة من مستويات الدين العام التي لا تزال منخفضة رسمياً في تركيا.

لكن هذا من شأنه أن يؤدي لهبوط آخر في قيمة الليرة مع تراجع الثقة في الإدارة الاقتصادية لتركيا.

والنتيجة ستكون مزيداً من ارتفاع معدل التضخم ما يؤدي لتفاقم الضغوط على المستهلكين والشركات.

أو يمكن لأردوغان قبول ما رفضه لفترة طويلة باعتبارها أرقام غير مقبولة، ألا وهو معدلات نمو اقتصادي أقل بكثير من 6 و7 بالمائة سنوياً التي اعتاد عليها.

ويشير الحكم في انتخابات بلدية إسطنبول إلى أن سكان أكبر مدينة في تركيا ليسوا متعلقين بشأن اختيارتهم ولا يطمأنهم الشخص المسؤول عن البلاد.

وبدت الأسواق الدولية سعيدة باحتمالية ضعف أردوغان، مع ارتفاع الليرة في بداية تداولات الإثنين (24 يونيو/حريزان).

ويبدو أن أولئك الذين يسيطرون على الأموال فقدوا الثقة في الرئيس التركي ويتمتعون باحتمال قيام حزب آخر بالاستيلاء على بعض الأدوات الاقتصادية.