لماذا ترتفع عوائد السندات الحكومية حول العالم؟

لماذا ترتفع عوائد السندات الحكومية حول العالم؟

من – نهى النحاس:

مباشر: ارتفاع عوائد سندات الخزانة العالمية هو الحدث الأبرز في الأسواق منذ انطلاق الشهر الجاري، وهو ما ساهم في خسائر حادة في أسواق الأسهم.

ووصل عائد سندات الخزانة الأمريكية لآجل 10 سنوات عند أعلى مستوى في 7 سنوات، أما نظيرتها ذات فترة استحقاق عند 30 عاما فوصلت تكلفتها لأعلى مستوى منذ 4 سنوات.

وفي أوروبا فإن العائد على السندات الحكومية الإيطالية لآجل 10 سنوات صعد عند أعلى مستوى في 4 سنوات، ونظيرتها الإسبانية زاد العائد لديها لأعلى مستوى في عام.

وليس هناك سبب واحد وراء صعود عوائد السندات عالمياً، بل مجموعة متنوعة تتراوح بين عدم اليقين السياسي في إيطاليا والتوترات التجارية العالمية إلى التشديد النقدي في الولايات المتحدة.

التوترات السياسية في إيطاليا

انشغل المشرعون والسياسيون في أوروبا الفترة الماضية بأخبار الموازنة العامة في إيطاليا والتي لم ترق إلى طموحات الكثير منهم، حيث يرون أن عجز الموازنة إلى الناتج المحلي في موازنة العام المقبل أعلى من المفترض.

وارتفع العائد على سندات الخزانة الإيطالية لآجل 10 سنوات حتى وصل عند مستوى 3.71% لأول مرة منذ عام 2014.

وحددت حكومة روما مستهدف لعجز الموازنة إلى الناتج الإجمالي المحلي في العام المقبل عند مستوى 2.4% في وقت كان الاتحاد الأوروبي يريد أن ينخفض هذا المستهدف أدنى 2%.

وحاوت الحكومة الإيطالية تخفيف أثر الصدمة وأعلنت عزمها خفض المستهدف في موازنة 2020 و2021 عند مستوى 2.1% و1.8% على الترتيب.

وبالرغم من ذلك إلا أن من الواضح أن المستقبل محفوف بمزيد من المخاطر، حيث صرح محلل بوكالة "موديز" للتصنيف الائتماني أن الموازنة الإيطالية "خاطئة" مشيراً إلى أن فكرة خفض التصنيف الائتماني للديون الإيطالية أمر محتمل.

وتقيم كل من "موديز" و"ستاندرد آند بورز" السندات الإيطالية في الوقت الحالي عند مستوى أعلى درجتين عن تصنيف ذات درجة ائتمانية "خردة"، ومن المقرر أن يكشفا عن تقيمهما الائتماني في النصف الثاني من الشهر الجاري والمتوقع أن يشهد خفضاً.

ويبدو أن الحكومة الإيطالية نفسها بدأت تشعر بالقلق، حيث أعلن وزير مالية إيطاليا أن ارتفاع عوائد السندات "غير مقبول"، مشيراً إلى أن بالرغم من عدم تأزم الوضع مثلما توقع البعض فإن الحكومة قلقة بالطبع.

بيانات اقتصادية قوية

ساهمت البيانات الاقتصادية القوية في دفع عوائد سندات الخزانة الأمريكية إلى الارتفاع، فسوق العمل لدى أكبر اقتصاد في العالم قريب من العمالة الكاملة ومعدل البطالة في الأولويات المتحدة الآن عن أدنى مستوى في 49 عاماً مُسجلاً 3.7%.

وهناك إشارات إلى أن التضخم الأمريكي استأنف ارتفاعاته في سبتمبر الماضي، حيث ارتفع مؤشر أسعار المنتجين بنحو 0.2% في سبتمبر بعد تراجع بنسبة 0.1% في أغسطس.

وقال جورج كونكليفز رئيس استراتيجية الدخل الثابت بشركة نومير لمحطة "سي.إن.بي.سي" الأمريكية إن عائد سندات الخزانة الأمريكية لآجل 10 سنوات قد يصل عند مستوى يتراوح بين 3.50% و.3.75% في حالة توارد أنباء جيدة مثل الاخبار الاقتصادية.

وتجاهلت أسواق الأسهم في الأيام الماضية الارتفاع الملحوظ لعوائد السندات العالمية، حيث سجل مؤشرا "داو جونز" و"ستاندرد أند بورز" مستويات قياسية في وقت سابق من الشهر الجاري، قبل أن تتحول للهبوط.

وشهدت جلسة أمس الأربعاء خسائر حادة لأسواق الأسهم الأمريكية والأوروبية والآسيوية مع استمرار صعود عوائد السندات لأعلى مستوياتها في عدةة سنوات.

ويقول محللون في بنك أوف أمريكا أن سوق السندات سيصبح أكثر جاذبية من الأسهم فقط عندما يبلغ العائد على سندات الخزانة لأجل عشر سنوات مستوى 5%.

فيما يرى محللون بشركة "بوف إيه.إم.أي" أن الأسهم خاصة ذات القيمة السوقية الكبيرة تتمتع بجاذبية وسط زيادة معدل الفائدة التي تعد أهم الأسباب وراء بيع السندات.

أما مارك كابانا رئيس استراتيجية أسعار الفائدة الأمريكية القصيرة في بنك أوف أمريكا فذكر أنه لا يمكن استبعاد وصول معدل الفائدة عند مستوى 3.5% بأي شكل من الأشكال "لكني لست مقتنعا بأن النمو والتوقعات ستزيدها إلى 4%".

التشديد النقدي الأمريكي

من أبرز الأسباب وراء قفزة عوائد سندات الخزانة الأمريكية التشديد النقدي في الولايات المتحدة وما تبعه من تصريحات مسئولي بنك الاحتياطي الفيدرالي.

وفي سبتمبر الماضي رفع الفيدرالي الأمريكي معدل الفائدة للمرة الثالثة من العام الجاري عن مستوى يتراوح بين 2% 2.25%.

وأيد رئيس الفيدرالي استمرار الزيادة التدريجية لمعدل الفائدة، مع توقعات تنفيذ عملية رفع إضافية في العام الجاري إلى جانب ثلاث عمليات أخرى في 2019.

وصرح جون ويليامز رئيس الفيدرالي في نيويورك تسريع عملية رفع معدل الفائدة حيث يرى أن تطبيع السياسة النقدية له فائدة إضافية تتمثل في التقليل من مخاطر اختلالات السوق المالية.

فيما قال جيمس بولارد رئيس الفيدرالي بـ"ست لويس" أن أي زيادة في معدلات الفائدة الأمريكية في العام الجاري يجب أن تعتمد على أن البيانات والمؤشرات تبدو إنها جيدة.

هل الارتفاع سيستمر؟

يبدو أن البيانات الاقتصادية القوية والنمو الاقتصادي المتسارع لن يستمر مع زيادة التوترات التجارية، فصندوق النقد الدولي خفض تقديرات النمو العالمي للعام الجاري والمقبل للمرة الأولى منذ عامين.

ويتوقع الصندوق الآن أن ينمو الاقتصاد العالمي في العام الجاري والمقبل بنحو 3.7%.

وذكر الصندوق أن هناك مزيداً من المخاطر التي تنتج عن تأجيج الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والدول بما فيها الصين مشيراً إلى أنه في حالة استمرار الحرب التجارية فأن ذلك سيكلف النمو العالمي كثيراً.

كما حذر الصندوق من مخاطر الزيادة الحادة بأكثر من المتوقع لمعدل الفائدة، مشيراً إلى أن التشديد النقدي يسرع التدفق النقدي الخارج من الأسواق الناشئة.

وتؤدي حالة عدم اليقين هذه إلى تراجع النمو وتدهور أداء البيانات الاقتصادية والتراجع عن سياسة التشديد النقدي وبالتالي تراجع عوائد سندات الخزانة.

وقال بنك "جي.بي.مورجان" إن زيادة حصة السندات في المحافظ الاستثمارية سيصبح مفيداً للغاية إذا بدأت الأمور في الخروج عن السيطرة بالنسبة للاقتصاد العالمي.

وتابع أن الارتفاع الأخير لمؤشر التقلب "سي.بي.أو.أي" هي إشارات إلى مدى الاضطراب بين المستثمرين، مشيراً إلى أن الاستعداد للانهيار أصبح أكثر أهمية.