اعتبر محمد ياوحي، أستاذ الاقتصاد بجامعة ابن زهر في أكادير، أن قرار لجوء الحكومة إلى وقف تنفيذ 15 مليار درهما من الاستثمارات العمومية، عاديا ومشروعا في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية.
وأضاف عضو اللجنة المركزية لحزب التقدم والاشتراكية، الحليف في الحكومة الحالية التي يقودها حزب العدالة والتنمية، لـ (هسبريس)، أن الحكومات السابقة تتحمل وزر الوضعية الاقتصادية الحالية، مشيرا إلى المغرب أخطأ الطريق حينما تنازل عن المخطط الخماسي سنة 1961 الذي كان يهدف إلى إقامة صناعة متكاملة ومندمجة واتجه نحو التصدير والفلاحة في إطار اختيارات، يقول المتحدث كان يهدف منها لظهور بورجوازية مغربية وتشجيع الإقطاع.
* ماهو تعليقكم على لجوء الحكومة إلى وقف تنفيذ 15 مليار درهم من الاستثمارات العمومية؟
- اعتبر هذا القرار قراراً عادياً ومشروعاً في ظل الظرفية الاقتصادية الصعبة التي يمر منها العالم بصفة عامة، والمغرب لا يشكل قاعدة استثنائية نظراً للروابط الاقتصادية والتجارية التي تربطه بباقي العالم. وبفعل الانفتاح الاقتصادي للمغرب وارتباطه بالخارج، فقد تأثرت بعض القطاعات التي تشكل مفاتيح التنمية ببلادنا، كالتحويلات من المهاجرين بالخارج، والاستثمارات الأجنبية والصادرات والسياحة، الشيء الذي أدى إلى التأثير على نسبة النمو، وكذلك على عائدات الدولة، وساهم في ارتفاع نسبة العجز وفي الميزانية والميزان التجاري وميزان الأداءات.
ولابد من الإشارة إلى مسألة أساسية، وهي أن هذا العجز ليس وليداً لليوم. بل هو عجز هيكلي يفسر أساسا بطبيعة الاقتصاد المغربي وتوجهاته الأساسية نحو قطاعات لا يمكنها تحقيق نسب نمو مستقرة، بل هي قطاعات هشة وسريعة التأثر بالعوامل الخارجية كالسياحة والفلاحة القطاعات التصديرية. أذّكر هنا أن المغرب مر بفترات عصيبة نهاية السبعينات دفعته إلى تطبيق برنامج التقويم الهيكلي في بداية الثمانينات الذي كان له انعكاسات سلبية على الاستثمار والتشغيل والقطاعات الاجتماعية.
أما في فترة التسعينات فقد انتعش الاقتصاد الوطني بفضل عمليات الخوصصة التي كانت عبارة عن مسكن مرحلي للعجز الهيكلي، علماً أن هذه الخوصصة تحرمنا الآن من التحويلات التي كانت تقوم بها المقاولات العمومية لخزينة الدولة. بعد ذلك، لجأت بعض الحكومات إلى نهج سياسية سميت "شعبية"، لكن هذه السياسة لم تكن محسوبة العواقب اقتصادياً، وارتكزت على الاستثمار في القطاعات الاجتماعية الغير منتجة اقتصادياً، وعلى التوظيف بشكل يفوق القدرة التمويلية للدولة وكذا الزيادة في الأجور، الشيء الذي أدى إلى ارتفاع الكتلة الأجرية وازدياد كبير في نفقات الدولة، هذه الزيادة تم موازنتها عن طريق الاقتراض من الخارج بدل البحث عن صيغ بديلة وموارداً أخرى جديدة.
هذه السياسات غلب عليها الطابع الانتخابوي الضيق بدل مراعاة المصلحة العليا للبلاد، كيف يعقل أن يقوم وزير سابق للمالية (والذي يعارض الآن بتحامل كبير ما تقوم به الحكومة الآن) بالتخفيف في آن واحد من الضرائب على المقاولات وعلى المأجورين والقيام بخلق آلاف مناصب الشغل للمعطلين، دون أن تكون هذه الإجراءات مصحوبة بالآليات لتمويلها، وتم اللجوء إلى الحل السهل الذي هو الاقتراض. حزب هذا الوزير يريد تغليط الرأي العام بالتباهي بنسب النمو التي حققت في تلك الفترة لكن تمّ هذا في الحقيقة على حساب مديونية الدولة التي تفاقمت بشكل كبير.
إذن الدولة مطالبة بتوفير فرص شغل حقيقية للشباب العاطل عن طريق خلق الثروة في القطاعات المنتخبة بدل إغراق الإدارة بالموظفين.
* إذن تتحمل الحكومات السابقة مسئولية الوضعية الحالية؟
- بكل تأكيد، فالمغرب أخطأ الطريق حينما تنازل عن المخطط الخماسي سنة 1961 الذي كان يهدف إلى إقامة صناعة متكاملة ومندمجة واتجه نحو التصدير والفلاحة في إطار اختيارات ـ كان الهدف من وراءها بروز بورجوازية مغربية وتشجيع الإقطاع، ورغم الرهان على السوق الداخلية في بعض المنتوجات، إلاّ أن الحمائية المبالغ فيها قد أثرت سلباً على تنافسية المقاولات التي استكانت للربح السهل والريع الاقتصادي بفضل غياب المنافسة. على الدولة اليوم أن تعيد النظر بصفة جذرية في الاختيارات الاقتصادية الكبرى التي لم تتغير رغم توالي الحكومات بمختلف ألوانها السياسية، وتبقى الصناعة المفتاح الأساسي لتحقيق نسب نمو مهمة ومستقرة وتلبية الحاجيات الأساسية للمواطنين بأثمان معقولة.
هذه القاعدة الصناعية يجب أن تكون مندمجة ومؤثرة في مختلف القطاعات الإنتاجية الأخرى، وتمويل هذه المشاريع يمكن أن يكون برأسمال مغربي ـ أجنبي، والدولة يجب أن تتكفل بالقطاعات الاستراتيجية المهيكلة، ويمكن للدولة أن تحمي هذه الصناعات الوليدة عن طريق الحمائية الظرفية وفق برنامج واضح المعالم والأهداف. خارج هذه الإجراءات الهيكلية، فإن السياسات الترقيعية والمسكنات لن تزيد الطين إلا بلة. وعكس ما يعتقد البعض، فإن الأزمة العالمية يمكنها أن تشكل فرصاً حقيقية للمغرب إذا تعاملت الحكومة بذكاء مع الظرفية ووفرت الضمانات الكافية للمستثمرين المحليين والأجانب.
* هل لديكم اقتراحات ملموسة للخروج من الأزمة؟
- لقد خرجنا خلال اللجنة المركزية الأخيرة بمجموعة من الاقتراحات العملية، فمثلاً أصبح لابد اليوم من إخضاع الفلاحة الكبيرة للضريبة على الأرباح، وكذلك رفع الضريبة على الأجور المرتفعة والأنشطة التي تدخل في خانة الريع، والعمل على تخفيض سعر الفائدة الذي يشكل عائقاً حقيقياً أمام الاستثمار والاستهلاك، وهنا لابد للدولة من التفكير في آلية لتمويل المشاريع الكبرى المهيكلة والإستراتيجية وكذا المقاولات الصغرى والمتوسطة عن طريق بنك وطني يطبق أسعار فائدة معقولة ويساهم في دراسة المشاريع وتوجيه المستثمرين.
كما يمكن الرفع من الضريبة على استهلاك المواد الكمالية المستوردة خصوصاً وأن الطلب عليها لا يتأثر بشكل كبير بثمنها لأنها سلع للمفاخرة والمباهاة وأقترح كذلك استعمال التنبر في تحصيل مستحقات الدولة الضريبية في بعض القطاعات لمزيد من الشفافية والفعالية كالمهن الحرة، واستخدام الصناديق الذكية في فوترة بعض المعاملات التجارية.
* ما هو تقييمك لعمل المعارضة في ظل الظروف الحالية؟
- بعض مكونات المعارضة تتصرف بطريقة بئيسة وعقيمة، والحكومة الحالية تمتلك المشروعية الشعبية والديمقراطية رغم التشويش الممنهج والتحامل غير المبرر على حكومة في سنتها الأولى من الممارسة. المغاربة أذكى من هذه المحاولات العبثية، وقد عبروا عن ذلك جلياً في الانتخابات الجزئية الحقيقية. ويمكن القول بكل صراحة، أن الحكومة الحالية حكومة شجاعة برجالات دولة حقيقيين، قررت مواجهة المشاكل بدل اللجوء إلى المسكنات وبيع الوهم للمغاربة، ونحن مطالبون جميعاً بالتفكير في حلول حقيقية وقابلة للتطبيق، ولن يكون ذلك بالأمر السهل، وسيتطلب تضحيات من الجميع وأخذ قرارات حاسمة والظرفية لا تسمح بالانتظارية أو التسويف أو المماطلة، أو المهادنة والمحاباة، مصلحة الوطن والمواطنين يجب أن توضع فوق كل اعتبار.
أستاذ اقتصاد: المغرب أخطأ الطريق حينما تنازل عن المخطط الخماسي
المصدر:
مباشر