يخطئ من يظن أن الازمة القبرصية بمنأى عن المنطقة العربية ومصارفها وقد يظل الأمر متأرجحا بين غياب التأثير وبين حصر الخسائر والتداعيات حتى الاثنين المقبل وهو الموعد الذي حدده المركزي الاوروبي وبشكل قاطع, حيث خير قبرص المتأزمة بين نارين احلاهما مر, فإما تقوم بتدبير 5.8 مليار يورو واما سيتوقف عن ضخ أمواله الى مصارفها المغلقة.
ورغم أن قبرص طرحت كل الخيارات بما فيها بيع اصول او رهنها لمنشآت لم تدخل خير الانتاج مثل حقول الغاز في البحر المتوسط, وهو ما تضع روسيا عينها عليه الا ان الطرق كلها مازالت مسدودة وقد يكون الخيار الاخير هو عودة طرح الاقتراح الاوروبي المثير بفرض ضرائب تلامس الـ 10 في المئة سنويا على ودائع المصارف القبرصية على مجلس نوابها هو الحل ومن هنا سيبدأ الجميع في حصر الخسائر ومنها المصارف العربية التي مازالت تتعامل مع الازمة بصمت كبير باستثناء بيان اصدره الاتحاد الدولي للمصرفيين العرب حذر فيه قبرص من تنفيذ المقترح الاوروبي حول فرض ضريبة على اموال المودعين.
والمصارف العربية في قبرص ليست مجرد فروع لمصارفها الرئيسية في الاردن او لبنان, ولكنها تضم مليارات الدولارات سواء لمودعين عرب او مستثمرين, وحسب اسماء البنوك فإن القطاع المصرفي اللبناني سيكون المتضرر الاكبر عربيا حيث تشهد الجزيرة نشاطات واسعة لعدة بنوك لبنانية معروفة منها بنك بيروت وبلوم وبيبلوس وكريدت ليبانيز وبنك لبنان والخليج وبنك بيروت والبلاد العربية "BBAC" فضلا عن البنك الاهلي الاردني وبنك الاردن - الكويت تكمن الازمة القبرصية التي تزداد حدة مع مرور الوقت في اشتراط الاتحاد الاوروبي فرض ضريبة مثيرة على ودائع عملاء المصارف العاملة في الجزيرة والتي تقدر بـ68 مليار دولار لتوفير 5.8 مليار يورو حتى يقدم المركزي الاوروبي 10 مليارات يورو لإنقاذ قبرص من الافلاس, وبعد رفض مجلس نوابها فرض الضريبة بدأت الحكومة في البحث عن حلول, وارسل الرئيس القبرصي وزير ماليته الى روسيا والتي تملك النصيب الاكبر من اموال المودعين, الا انه عاد بخفى حنين, فرفضت روسيا منح قروض جديدة, فيما لم يتبين موقفها من سداد قبرص لديون استحقت عليها تبلغ 2.5 مليار دولار لروسيا.بحسب السياسة
وان كانت قبرص لم تترك حلا الا وطرقته الا ان الابواب تبدو مسدودة, فحين فكرت في تأميم اموال الصناديق التقاعدية لم تجد في خزانتها سوى 3 مليارات يورو, وحين دغدغت مشاعر الدب الروسي لمنحه امتياز استخراج الغاز من قبالة شواطئها اكتفى رئيس الوزراء الروسي بتشبيه الاتحاد الاوروبي بثور يتجول في محل خزف, الا انه رفض منح قبرص قروضا جديدة على اعتبار ان شركته النفطية العملاقة "غاز بروم" لن تشتري "سمكا في ماء".
وحين طرحت الكنيسة القبرصية صاحبة النفوذ الكبير في البلاد وضع املاكها تحت تصرف الحكومة تبين ان عملية البيع ستستغرق اشهر عدة نظرا لتدني سعرها من جهة, ونظرا لأنها لا تشكل قيمة كبيرة يمكن ان تغطي الـ 5.8 مليار يورو.
وكان من الطبيعي ان يبحث المركزي الاوروبي او الاتحاد عن حل او تمديد الوقت لكي تدبر حكومة الجزيرة امورها, الا ان بيانه كان صارما او بالاحرى تحذيره- وهو امر يصدر عنه للمرة الاولى- اما تدبير المبلغ 5.8 مليار يورو واما التوقف عن ضخ الاموال في المصارف المغلقة والتي منحت مودعيها حق سحب 800 يورو يوميا فقط.
لم تقف الازمة عند هذا الحد في بلد بلا موارد
وبلا احتياطي نقدي مرتفع, بل بلغت حد مفردة الافلاس والتي جاءت على لسان مسؤولين بالاتحاد الاوروبي, والافلاس هنا سيعني عجز المصارف عن الوفاء بأموال مودعيها ومن ثم حدوث انهيار مالي في الجزيرة.
وان كانت اموال العرب مودعة في مصارف يقول جوزيف طربية انها مغطاة في بنوكها الرئيسية, فان الخسائر قد تمتد الى استثمارات عربية كثيرة مولتها تلك المصارف خصوصا في قطاع السياحة لحساب مودعيها, ورغم حالة السرية التي تلف تلك الاستثمارات إلا ان عدد المصارف العربية لاجمالي المصارف في قبرص يؤكد ان حصتها كبيرة فعدد المصارف ليس مجرد مصرف او اثنين, بل يصل حسب القطاع المصرفي القبرصي الى 12 فرعا مقابل - على سبيل المثال- 13 فرعا لمصارف اوروبية ونحو 11 مصرفا قبرصيا اي ان المصارف العربية تمثل ثلث القوة المصرفية في الجزيرة.
ازمة قبرص لا تقف عند دولة عرضت اصولا للبيع للخروج من المأزق, او راهنت على ثروة لم تستخرج بعد بل تمددت لامر اخر لتفجر صراعا بين روسيا والاتحاد الاوروبي يكمن في تلويح روسيا في خفض الاحتياطي النقدي الروسي باليورو وهو امر سينعكس على العملة الاوروبية وبالتالي على استثمارات عربية في اوروبا.
والمثير في الامر ووكالات التصنيف تكشر عن انيابها لخفض التصنيف الائتماني لقبرص وبنوكها فانها تحذر من الامر الاشد خطورة وهو انتقال العدوى القبرصية ويعنى بها فرض ضرائب على اموال المودعين, فان انتقلت الى بعض الدول الاوروبية المتأزمة مثل ايطاليا واسبانيا وارلندا والبرتغال ثم فرنسا, فان بداية عد الخسائر العربية لن تكون بدءا من الاثنين فقط ان فشلت مفاوضات قبرص مع الاتحاد الاوروبي, بل ستكون بداية لسلسلة من الخسائر المتتالية.