بالتوازي مع الحراك السياسي الذي عرفته تونس على خلفية تشكيل حكومة جديدة، يدور نقاش آخر لا يقل أهمية بين خبراء الاقتصاد من جهة ومحافظ البنك المركزي بشأن حقيقة الوضع الاقتصادي الراهن حيث انقسمت الآراء بصعوبة الوضع الى درجة تصنيفه بـ «الكارثي» وبين رافضين لهذا التقييم « السوداوي» معتبرين أننا خرجنا من عنق الزجاجة، وأن المديونية لا تبعث على الانزعاج، بينما يبقى المطلوب وضوح الرؤية السياسية واستتباب الأمن.
كيف يمكن التوفيق بين هذه الآراء المتضاربة لاستجلاء حقيقة الوضع المالية وما هي الحلول التي يراها خبراء الاقتصاد في المرحلة القادمة؟
بحسب (البيان)، ذكر السيد حسين الديماسي وزير المالية السابق مؤخرا أن الحالة الاقتصادية «كارثية»، وفي قناة الحوار يقول خبير اقتصادي أن الوضع «كارثي» وأن البلاد على حافة الإفلاس ، والطبقة الوسطى قد تنقرض ، باعتبار أن معدل قيمة الوجبة في تونس تساوي 8700م وهذا يعني أن من يتقاضى مرتبا بـ 763 دينارا يعتبر على عتبة الفقر باعتبار التضخّم المتزايد؟
وذكر السيد راضي المدب الخبير الاقتصادي منذ أيام في تدخل إذاعي أن الوضع يستدعي الحيطة وأن ترقيم تونس يمكن أن يشهد مراجعة ثانية بسبب ما تعتبره مؤسسات الترقيم الدولية تواصل العنف وانعدام الأمن وعدم وضوح الرؤية السياسية مما قد ينعكس على الحجوزات السياحية والاستثمار.
الاقتصاد التونسي الى أين؟
أكد الشاذلي العياري محافظ البنك المركزي التونسي مؤخرا أن خزينة الدولة تتوفر حاليا على 2 مليار دينار وهو مبلغ كاف لتغطية نفقات الأجور خلال الأشهر القادمة. وأضاف العياري أن الاقتصاد التونسي قد خرج من عنق الزجاجة مشيرا إلى أن تحسن الوضع الأمني والسياسي هو الشرط الأساسي لتحسين نسبة النمو الاقتصادي في الفترة القادمة والتي قدرت بـ 4.5 في المائة سنة 2013 وينتظر أن تبلغ 5.2 بالمائة سنة 2014 شريطة استقرار الوضع السياسي والأمني وحذر من خطورة انزلاق الميزان التجاري الذي يزيد في نسبة المديونية.
من جهته قال السيد مصطفى كمال النابلي خلال لقاء نظمته مؤسسة التميمي للبحث العلمي منذ أسبوع حول موضوع « أي مستقبل للاقتصاد التونسي سنتين بعد الثورة»؟ أن هناك فرضيتين محتملتين للاقتصاد التونسي في الوقت الحالي . وتتعلق الفرضية الأولى وهي الأكثر تفاؤلا حسب النابلي بعودة الانتعاشة الاقتصادية في حين تتوقع الفرضية الثانية تراجع الاقتصاد الوطني.
وبين النابلي أن عودة النشاط الاقتصادي يبقى رهين وضع برنامج للمبادرة والتنمية الاقتصادية وهو ما يتطلب من الحكومة على حد قوله التخلي عما تسميه سياسة إنعاش الاستهلاك ووضع سياسة ترتكز على تنشيط الاستثمار والتصدير .
كما يقتضى الأمر حسب رأيه اتخاذ إجراءات جذرية لإصلاح المالية العمومية ونظام الدعم والقطاع البنكي والسياحة . واعتبر مصطفى كمال النابلي انه في حال تواصل التجاذبات الاجتماعية والمشاكل الأمنية والضبابية السياسية فان مثل هذه الوضعية ستكون لها انعكاسات على أهم عوامل النمو في تونس على غرار الاستثمار والتصدير والاستهلاك حيث من المتوقع أن لا تتجاوز نسبة النمو 3 بالمائة.
وحول الجانب المتصل بالبطالة اعتبر مصطفى كمال النابلي أن تونس خسرت خلال سنتين بعد الثورة قرابة 200 ألف موطن شغل نتيجة الاضطرابات وحالات الاحتقان الاجتماعية والإضرابات.
وأضاف النابلي أن منها ما لا يقل عن 150 ألف موطن شغل كان بالإمكان إحداثها لو لم توجد هذه الاضطرابات، مبينا أن الثورة التونسية كان لها كلفة أكثر مما توقعه الكثيرون.
السياحة وتداعيات الأزمة
وصرح السيد إلياس الفخفاخ وزير السياحة منذ أيام أنّ 110 وحدة فندقية أغلقت في كامل البلاد، وفق آخر الإحصائيات، مضيفا أن 60 وحدة فندقية مغلقة قبل اندلاع الثورة.
وأرجع وزير السياحة أسباب غلق قرابة 40 وحدة فندقية إلى تواجدها قرب المناطق السياحية البحرية، مؤكّدا أنّها وحدات تعمل بصفة موسمية ابتداء من شهر أفريل إلى نهاية شهر سبتمبر وذلك لطبيعة المنطقة التي توجد بها تلك الفنادق.
وبيّن أنّه لم يسجّل تطور في عدد السياح الوافدين على تونس خلال فصل الشتاء الحالي مقارنة بسنة 2011، قائلا : «كنّا نتوقع عكس ذلك»
وأكّد أنّ سبب هذا التراجع يعود إلى أحداث السفارة الأمريكية وسليانة وساحة محمد علي وفاجعة اغتيال الفقيد شكري بلعيد..
ومن جهة أخرى، قال الياس الفخفاخ إنّ اجتماعا سينعقد في الغرض لتقييم الوضع الحالي وتأثيراته على الحجوزات بهدف الإعداد للموسم السياحي لفصلي الربيع والصيف القادمين.
فهل يبقى الأمل قائما رغم كل هذه التقييمات لعودة الانتعاشة الاقتصادية؟
في ظلّ تضارب التّقييمات الاقتصاديّة .. هل خرج الاقتصاد التّونسي من عنق الزّجاجة؟
المصدر:
مباشر