كتب- السيد سليمان
يواصل الجنيه المصري تراجعه الحاد أمام سلة من العملات المختلفة في مقدمتها الدولار الأمريكي، وهو ما ينذر بارتفاع جنوني للأسعار بدأ رجل المواطن العادي في الإحساس به رويداً رويداً، فمع نظم العطاءات الجديد الذي استحدثه البنك المركزي المصري في أواخر ديسمبر الماضي لكبح جماح تراجع الاحتياطات الأجنبية ، عزز الجنيه المصري من خسائره في عطاء اليوم الخميس مقابل الدولار ليتراجع إلى مستوى 6.60 جنيه للدولار في سوق ما بين البنوك مقارنة مع 6.58 جنيه للدولار في تعاملات أمس الأربعاء.
وبلغت خسائر الجنيه أمام الدولار منذ بدء العمل بنظام العطاءات نحو 6.4%، مع زيادة الطلب على الدولار نتيجة لمخاوف المواطنين من تأكل القيمة الفعلية لأموالهم والمقومة بالجنيه المصري.
التراجع يتواصل لمستويات تاريخية
فمع هبوط اليوم يواصل الجنيه تراجعه لأدنى مستوى تم تسجيله في 2004 أي منذ نحو 9 أعوام، مع توقعات باستمرار الهبوط وهو ما قد يعجل بسرعة استنزاف الاحتياطي الأجنبي للبلاد الذي بات عند مستويات خطيرة للغاية، وأصبح لا يكفي إلا لاستيراد الحاجات الأساسية لمدة ثلاثة أشهر فقط.
ويقول الخبير الاقتصادي المصري أحمد النجار أن طفرة في الأسعار ستحدث في الفترة المقبلة نتيجة الارتفاع المتواصل في أسعار العملات الأجنبية وخصوصاً الدولار مقابل الجنيه، وأن شعور المواطن بارتفاع الأسعار مرهون في الوقت الجاري بانتهاء المخزونات المستوردة من خارج بالأسعار القديمة.
ويرى النجار إن السعر الحالي للجنيه مقابل الدولار رغم تدنيه نسبياً مازال لا يعكس القيمة الفعلية للجنيه، وإنما هي قيمة ناتجة عن إجراءات الدعم المستمرة التي قام بها البنك المركزي طوال عامين متتاليين للدفاع عن الجنيه وحمايته من الهبوط، خاصة أن تلك القيمة لا تعكس زيادة فعلية في الإنتاج أو الصادرات أو الاستثمارات أو موارد النقد الأجنبي.
ديون مصر ترتفع مع تدني قيمة الجنيه
فوفقاً لأخر الأرقام الصادرة عن البنك المركزي المصري فقد بلغت ديون مصر الخارجية بنهاية سبتمبر الماضي 34.7 مليار دولار وبزيادة قدرها 335.4 مليون دولار عن شهر يونيو من نفس العام، ويرجع البنك سبب ارتفاع الديون الخارجية إلى لزيادة أسعار صرف معظم العملات المقترض بها أمام الدولار الأمريكي.
ولفت البنك أيضاً إلى ارتفاع أعباء خدمة الدين الخارجي بمقدار 85.8 مليون دولار لتبلغ 1.3 مليار دولار خلال الفترة يوليو-سبتمبر من 2013/2012 مقابل 1.2 مليار دولار خلال نفس الفترة من العام المالي السابق له.
مخاوف من مستقبل الاقتصاد وراء تراجع الجنيه
وهو ما يؤكد عليه عدد كبير من الخبراء الاقتصاديين، فجزء كبير من تراجع الجنيه أسهمت فيه التوترات السياسية التي تضرب الشارع المصري منذ تولي الإسلاميين سدة الحكم في البلاد، وهو ما عزز مخاوف عدد كبير من الأفراد نحو هاوية وشيكة للجنيه، فلجأ معظمهم إلى تحويل أموالهم واستثماراتهم إلى دولارات بحثاً عن ملاذ أمن، ولجأ البعض الأخر إلى المضاربة لتحقيق مكاسب سريعة.
وكان الجنيه قد فقد نحو 44% من قيمته أمام الدولار في عام 2003 حيث ارتفع الدولار من 4.50 جنيه في يوليو 2002 إلى 6.50 جنيه في يناير 2003 عقب اتخاذ حكومة عاطف عبيد قراراً بتحرير سعر الصرف، وهو ما أدى إلى زيادة الطلب على الدولار وتحويل المدخرات بالجنيه إلى العملة الأمريكية وهو ما أدى لاحقاً إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات.
وتتبع مصر منذ نحو 8 سنوات نظام التحكم بسعر الدولار من خلال البنك المركزي باعتباره مسئول السلطة النقدية بالتدخل في سوق الصرف الأجنبي لإحداث توازن بين المطلوب والمعروض من العملة الأجنبية والدولار تحديداً من خلال توفيره في الأسواق حال زيادة الطلب عن العرض، وهو ما نجح إلى حد كبير في القضاء على السوق السوداء للدولار واستقرار سعر صرفه مقابل الجنيه، ولكنه عزز من تآكل الاحتياطات الأجنبية للبلاد بعد ثورة 25 يناير 2011.
تراجع قيمة الجنيه ليس سلبياً بالضرورة
وفي هذا الإطار يؤكد الخبير الاقتصادي نيل شيرنج، وهو كبير محللي الأسواق الناشئة في كابيتال ايكونيميك لندن، في تصريح خاص لـ"مباشر" أن الصورة القاتمة لا تخلو من بعض الإيجابيات في حال تم التعامل مع تراجع العملة وفقاً لأساليب محددة تتمثل أولا في تغيير السلوك الشرائي للمستهلك المصري من خلال دعم المنتجات المحلية التي ستتراجع أسعارها مقابل المنتجات التي يتم استيرادها من الخارج.
ويقول نيل "إن تغيير الأنماط الشرائية للمستهلك المصري يعد الداعمة الأولى للعملة المحلية، فدعم المنتجات المحلية يعني تراجع الصادرات، وهو ما سيعزز تراجع الطلب على الدولار في أسواق العملة".
وضرب نيل المثل بـاليابان التي تحارب من أجل تراجع قيمة الين مقابل سلة العملات الدولية حتى تعزز من صادرتها إلى الأسواق الخارجية، ولكنه رهن توفير البنية التحتية وعودة الاستقرار السياسي لتطبيق هذا المثل على العملة المصرية، متوقعاً أن يواصل الجنيه تراجعه حتى نهاية العام الجاري ليصل إلى مستوى سبعة جنيهات مقابل الدولار.
فايننشال تايمز: الجنيه في حاجة ملحة إلى قرض صندوق النقد
فقد أفردت الصحيفة الاقتصادية الشهيرة تقريراً كاملاً عن تراجع قيمة الجنيه المصري اليوم الخميس، وتحت عنوان "مساعدات الدوحة لم تجدي نفعاً في إنقاذ الجنيه"، يشدد التقرير على أن عدم استعادة الثقة في العملة يعزز الحاجة الملحة إلى التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي على قرض بقيمة 4.8 مليار دولار، وهو ما سيعد بمثابة صك الأمان لعودة المستثمر الأجنبي مرة أخرى على السوق المصري.
وأوضح التقرير أن المساعدة المالية القطرية الأخيرة إلى مصر والتي بلغت 2.5 مليار، فشلت في وقف تراجع العملة أو تخفيف الضغط على حكومة الرئيس محمد مرسي.
وقد تم تعليق قرض صندوق النقد لمصر مع رفض الحكومة تمرير التدابير الضريبية وخفض النفقات اللازمة ليوافق برنامج الصندوق عليها.
وينتظر أن يسهم الارتفاع المتواصل في أسعار الدولار بارتفاع وشيك لأسعار السلع الأساسية وهو ما قد يؤجج الاحتجاجات الشعبية في ظل تردي الوضع الاقتصادي واستمرار الاضطرابات السياسية.