حاولت البنوك الاستثمارية خلال العامين الماضيين مواجهة تراجع أعمالها، والقيود التنظيمية الجديدة التي حدت من الأرباح، بالقيام بعمليات واسعة لالغاء وظائف وتقليص النشاط في العديد من القطاعات.
وتظهر بيانات شركة «كوأليشن» الاستشارية أن الوظائف في المكاتب الأساسية لأكبر عشرة بنوك استثمارية في العالم انخفضت بنسبة 9 في المئة منذ العام 2010. لكن بعد الربع الثاني الذي مر كئيباً على الصناعة، وصيفٍ مساوٍ في البطء -لم تبرز خلاله الا القليل من النقاط المضيئة مثل اصدارات سندات الشركات التي لا تعوض تراجع الصفقات وأنشطة التداول وأسواق المال في كل مكان- فان العديد من التنفيذيين في البنوك أدركوا الحاجة الى خطوات أكثر جرأة.
الصورة في أوروبا قاتمة على نحوٍ خاص. يقول رئيس بنك استثماري أوروبي «ان جميع نماذج الأعمال تحت ضغط شديد، ويكاد الجميع تقريباً يخسرون اموالهم في الصناعة المصرفية الاستثمارية. هناك تخفيضات للأنشطة تمت بالفعل، لكن الجميع يعيدون النظر في هياكل التكاليف».
وتعاني البنوك من أمور دورية، مثل ضعف الاقتصاد، وانخفاض نشاط التداول، وارتفاع تكاليف التمويل وبيئةٍ ذات فائدة منخفضة. وجميع هذه العوامل تضاف الى الصعوبات الهيكلية التي تتسبب بها القيود الرقابية الأكثر شدة. وفي الوقت نفسه، يسجل نشاط الموظفين حصيلة قياسية في تدنيها، على الرغم من تراجع المكافآت، فيما يتشبث المصرفيون بوظائفهم لمعرفتهم بعدم وجود الكثير من الفرص البديلة.
بعد سنوات من تقليص الأنشطة في مختلف خطوط الأعمال، تتجه البنوك الاستثمارية الى اجراء أكثر جذريةً: الانسحاب من خطوط أعمال معينة بالكامل.
يظهر ذلك بوضوح في بنك «نومورا» الياباني، الذي سيخفض على الأقل مئات الوظائف في عمليات الأسهم النقدية والمصرفية الاستثمارية لبنكها الخارجي التابع، كجزء من عملية لخفض التكاليف بنحو مليار دولار.
هذه الخطوة ستمكن البنك من الاستمرار في الاستثمار في المجالات التي يعتقد أنها عناصر قوته، مثل الدخل الثابت، والكفالة المالية، والاندماجات أو الاستحواذات العابرة للحدود، أو التمويل بالاستدانة.
بنوك أخرى مثل «رويال بنك أوف سكوتلاند» و«يو بي اس»، أجبرتها اخفاقات ماضية على أن تكون سباقة الى اتجاه كهذا. فقد قام «آر بي اس»، تحت الضغط الحكومي لتقليص ميزانيتها العمومية، باغلاق أو بيع أنشطة الوساطة والأسهم النقدية وأعمالها في أسواق الأسهم، ليركز في المقابل على مجالات مثل الدخل الثابت وادارة المخاطر.
وذهب «يوبي اس»، أكبر بنك في سويسرا في اتجاه مماثل، فألغى خلال تسعة أشهر أكثر من 1400 وظيفة من أصل 18 ألف وظيفة لديه في المجال المصرفي الاستثماري، ليخرج من مجالات أعمال مثل تداولات الأسهم المساندة والمنتجات المهيكلة المعقدة، ويركز بدلاً من ذلك على المجالات التي تخدم ريادته في سوق ادارة الثروات. ولا تزال هناك 600 وظيفة يعتزم البنك الغاءها في اطار خطة اعادة الهيكلة، لكن التسريبات الداخلية تشير الى أن الرقم قد يزيد على ذلك.
وعلى نحو مشابه، يسعى بنك «كريدي سويس» الى خفض نفقاته بنحو مليار فرنك سويسري اضافية، ما قد يدفعه الى الغاء ألف وظيفة حول العالم، معظمها قد يكون في القطاع المصرفي الاستثماري. ويعمل البنك على الخروج من أنشطة الأوراق المالية المدعومة بالرهونات التجارية وعمليات التوريق الأدنى تصنيفاً، في حين خفض المصرفان الفرنسيان «بي ان بي باريبا» و«سوسيته جنرال» أعمالهما الممولة بالدولار مثل عمليات تمويل الطاقة والشحن.
ومع أن معظم هذه الاقتطاعات مازالت محدودة، فان معظم البنوك علّقت عروضاتها الكبيرة للمنتجات الاستثمارية. الا أن الخبراء المصرفيين يقولون ان البنوك الاستثمارية الأقوى رسملةً بدأت التفكير بالتركيز على على نقاط قوتها. يقول الشريك في شركة «أوبريك لونغ» المتخصصة في التوظيف للبنوك الاستثمارية، جوناثان ايكمان «ما سنراه أن البنوك لن تغلق مجالات أعمال مباشرة، لكنها ستوقف الاستثمار فيها وتخرج منها في المدى البعيد».
ويقول رئيس القطاع المصرفي الاستثماري في «ايغون زيندر» ألبرت لافرج ان «عدداً من البنوك عملت على مدى الربعين الثاني والثالث على تقييم أي المجالات التي يجب ان تحد من تركيزها عليها، وأي المجالات التي ينبغي أن تستمر في الاستثمار فيها».
«دويتشه بنك» هو أحد البنوك التي من المتوقع أن تخطو خطوات من هذا النوع، وسيقوم الرئيسان التنفيذيان الجديدان في البنك أنشو جاين ووجوردن فيتشن مراجعة لاستراتيجيتهما أمام المستثمرين الأسبوع المقبل. ومن المنتظر أن يوضحا تفاصيل المجالات التي سيعطيها البنك الأولوية في القطاع المصرفي الاستثماري، في تحرك قد يقود الى الغاء المزيد من الوظائف، زيادة على 1500 وظيفة أعلن البنك اعتزامه الغاءها أخيراً.
ويتوقع المحللون أن يقوم الرئيس التنفيذي لبنك «باركليز» أنتوني جينكيز، وهو نفسه آت من قطاع التجزئة المصرفية والخدمات المصرفية للشركات، باعادة تنظيم النشاط المصرفي الاستثماري لدى البنك من خلال تقليص بعض أعمالها في الأسهم الآسيوية التي لم ترقَ الى التوقعات.
ومع أن خطوات كهذه تقلّص أنشطة المصارف، فان المحللين يرون أنها غير كافية. احدى المشكلات هي قواعد «بازل 3» لرؤوس الأموال، التي دفعت الكثير من البنوك الى تركيز المزيد من الأموال والموظفين في مجالات أعمال تتطلب قدراً أقل من رأس المال، مثل استشارات الاندماجات والاستحواذات والأسهم النقدية، وهي مجالات ضعيفة حالياً لاسباب دورية ولو أن البعض يجادل بأن انخفاض قيم التعاملات فيها ناجم عن تغييرات هيكلية. ففي النصف الأول من العام الحالي، كانت أعداد الموظفين في الاستشارات والأسواق المالية أعلى بنسبة 4 في المئة مما كانت عليه في 2008 في أكبر 10 بنوك استثمارية في العالم، وفقاً لـ «كوأليشن».
يعتقد مات سبيك من «دويتشه بنك» أن «البنوك الاستثمارية تنفق الكثير في مجالات أعمال ضعيفة الايرادات. فهي توظف الكثير من الموظفين لبيع منتجات لا يجدها العملاء ذات قيمة تستحق الدفع من أجلها».
يأمل المصرفيون أن تكون الجولة المقبلة من الاقتطاعات أكثر استراتيجية، مع خروج البنوك تماماً من المجالات التي تجدها صغيرة للغاية. يقول مصرفي بارز في أحد البنوك الأميركية الكبرى انه «سيكون على معظم البنوك أن تتوقف عن أن يكون كل شيء في كل مكان».
خريف البنوك الاستثمارية خطوات جذرية مرتقبة لتقليص الأعمال وإلغاء آلاف الوظائف
المصدر:
الرأي الكويتية