TV مباشر
اتصل بنا اعلن معنا   ENGLISH

القرصنة البحرية تكبد الاقتصاد العالمي 8 مليارات دولار سنوياً

القرصنة البحرية تكبد الاقتصاد العالمي 8 مليارات دولار سنوياً

تستضيف الإمارات، اليوم، المؤتمر الدولي الثاني لمكافحة القرصنة البحرية بالتعاون مع وزارة الخارجية وموانئ دبي العالمية، وذلك في إطار جهود الدولة ومساعيها المتواصلة لرفع مستوى التنسيق بين القطاعين العام والخاص لمواجهة القرصنة البحرية .




تعد القرصنة البحرية خطراً عالمياً داهماً له تكلفته الإنسانية الفادحة التي يصعب تقديرها، كما له تكلفة اقتصادية ليست بالقليلة أيضاً، حيث أظهرت الدراسات أن تكلفة القرصنة على المجتمع الدولي تراوح بين 4،9 إلى 8،3 مليار دولار سنوياً وفق تقديرات الحد الأدنى والحد الأقصى .

يأتي المؤتمر الذي يستهل أعماله اليوم وتستمر فعالياته ليوم غد كملتقى حيوي لطرح الأفكار ووجهات النظر المختلفة لوضع الحلول والآليات اللازمة لمواجهة الظاهرة التي تزداد تفاقماً مع ارتفاع عدد هجمات القراصنة إلى 439 هجوماً في ،2011 منها 275 فقط قبالة سواحل الصومال . وتبرز أهمية إيجاد الحل الرادع للمنطقة على ضوء زيادة عدد الحوادث الهجمات التي وقعت قبالة سواحل اليمن وسلطنة عُمان خلال الأشهر الأولى من العام الجاري .

وينتظر أن يتم خلال المؤتمر طرح أدوات عمل وخطط واستراتيجيات وضعها خبراء في المجالات كافة ذات الصلة في محاولة لمواجهة خطر القرصنة البحرية الداهم . ومن بين تلك الأفكار والسبل المقترحة إيجاد سبل عيش بديلة في الصومال وتطوير النمو الاقتصادي والحفاظ عليه في المناطق المضطربة . فخطر القراصنة يصعب مكافحته في ظل مستويات نمو اقتصادي ضعيفة ورواتب متدنية لرجال الأمن في المدن الصومالية التي يستفحل فيها خطر القراصنة الذين يحتلون في هذه المدن مكانة خاصة بالنظر لكونهم هم من يقدمون خدمات محلية مهمة تقع أساساً على عاتق الحكومة وعلى رأسها التوظيف والاستقرار والاستثمار المحلي الضروري لأعمالهم .

ويتفق الخبراء على ضرورة وضع نهج فاعل لمكافحة القرصنة يجمع بين التنمية الاقتصادية وإنفاذ القانون، الحلول التي يمكن أن تحتاج إلى وقت طويل ما يفرض الحاجة لتدابير قصيرة الأجل ستتم مناقشتها خلال مؤتمر اليوم .

وكان المؤتمر الذي استضافته الإمارات في العام الماضي خلص في بيانه الختامي إلى تدابير مهمة، منها تكثيف الوجود العسكري في المياه قبالة سواحل الصومال وخليج عدن والمحيط الهندي، كما دعا إلى ملاحقة السفن الرئيسة التي يدير منها القراصنة أنشطتهم، وأن يقوم مركز المراقبة العسكري الذي ينسق بين سفن السلاح البحرية بمراقبة السفن التي يسيطر عليها القراصنة عن كثب .

ومن التدابير المهمة كذلك قيام جميع ملاك ومشغلي السفن بتقديم المعلومات عن الهجمات التي تتعرض لها سفنهم في الوقت المناسب .

ومن المتوقع أن يتم بحث درجة تنفيذ وفاعلية ما خرج به مؤتمر العام الماضي من تدابير اليوم، ومواصلة الجهود الحثيثة لمواجهة أخطار القرصنة البحرية وتهديداتها التي تكبد دول المنطقة الخسائر البشرية الفادحة، كما أن لها تأثيرات اقتصادية لا يستهان بها .

حقائق وأرقام

43 عدد الهجمات في الصومال وحدها في الربع الأول 2012 .

140 بحاراً تم احتجازهم في هذه الهجمات .

12 مليار دولار هي خسائر قطاع الملاحة سنوياً بحسب المكتب الدولي للملاحة البحرية .

7 مليارات دولار هي الحد الأقصى لخسائر دول المنطقة سنوياً من هجمات القرصنة .

130 مليون دولار الفديات المدفوعة للقراصنة الصوماليين 2011 مقابل 70 مليون دولار في 2009 و100 مليون في 2010 .

439 هجمة قام بها القراصنة في 2011 منها 275 فقط قبالة سواحل الصومال .

حررت رهائن سفينة تجارية في 2011

الإمارات تدعم تعزيز القدرات الإقليمية لمكافحة القرصنة

تعمل الإمارات بنشاط على مكافحة القرصنة، على الرغم من عدم مشاركتها في الدوريات البحرية قبالة ساحل الصومال . ففي عام ،2011 أثبتت الإمارات جهوزيتها القتالية وخطتها العملياتية من الناحية العسكرية، وعزمها على مكافحة القرصنة عبر شن غارة على Arrilah، السفينة التجارية التي ترفع العلم الإماراتي والتي كان القراصنة قد خطفوها . أدت تلك العملية القومية إلى إطلاق سراح جميع الرهائن وتوقيف القراصنة بانتظار أن تجري محاكمتهم الآن في الإمارات .

وفضلاً عن ذلك، تدعم الإمارات تعزيز القدرات الإقليمية، كما في جزر السيشل، عبر إرسال طوافتين وثلاثة زوارق دورية سريعة وبناء محطة لخفر السواحل . وعبر تقديم هذا الدعم، تساعد الإمارات الدول على حماية مياهها الإقليمية والإسهام في مكافحة القرصنة .

ولا بد من الإشارة إلى أن مؤتمر دبي المنعقد في 18 و19 إبريل/ نيسان ،2011 تحت عنوان “التهديد العالمي وأشكال الاستجابة الإقليمية: صياغة منهجية مشتركة لمواجهة القرصنة البحرية” كان دليلاً قاطعاً على المشاركة الإماراتية، وقد حقق هذا المؤتمر هدفين أساسيين . أولاً، الجمع بين ممثلي الحكومات والشركات الخاصة لطرح مشكلة القرصنة . ثانياً، جمع الأموال للمشاركة في صندوق الائتمان التابع للأمم المتحدة بهدف تمويل المبادرات، مثل ترميم السجون في الصومال أو في بلدان وافقت على محاكمة القراصنة .

أما على الصعيد الدبلوماسي، فقد ترأست الإمارات في 31 مارس/ آذار 2012 الجلسة العامة الحادية عشرة لمجموعة التواصل لمكافحة القرصنة قبالة سواحل الصومال . لكن، وبهدف الحصول على زخم أكبر، يجب أن يلقى الموقف الإماراتي تأييداً على الصعيد الإقليمي من قبل دول مجلس التعاون الخليجي .

مجلس التعاون الخليجي

مجلس التعاون الخليجي هو أساساً كيان سياسي واقتصادي . تعرف قواته العسكرية التي تم تشكيلها في عام 1986 ب “درع الجزيرة”، وهي قوات تحالف مشتركة . حتى الآن، اقتصر نشاطها على القيام بمناورات مشتركة سنوية، لكن يمكن للمنظمة أن تتطور في المستقبل . وقد تم فعلاً القيام بخطوة مهمة في هذا الاتجاه مع اتخاذ مجلس التعاون الخليجي قراراً في عام 2010 يقضي بإنشاء مركز لتبادل المعلومات في البحرين . وقد تم الإعلان خلال مؤتمر حول الأمن البحري عقد في أبوظبي في يناير/ كانون الثاني ،2010 أن من شأن هذا المركز، بعد إنشائه وتشغيله، أن يزيد الوعي الإقليمي بحركة المرور البحري وأنماط حياة جميع الجهات الفاعلة البحرية . أما الخطوة الثانية فيجب أن تتمثل منطقياً بزيادة التعاون في البحر بين القوات البحرية التابعة لدول مجلس التعاون الخليجي بهدف اتباع منهجية مشتركة والتعامل بفعالية مع الجرائم العابرة للحدود (الاتجار غير المشروع في البشر، البضائع، الإرهاب . . .) أو القرصنة .

مشاركة دول مجلس التعاون الخليجي في مكافحة القرصنة

يعتمد نمو دول مجلس التعاون الخليجي وغناها إلى حد كبير على البحر وقدرة السفن على الإبحار بأمان على طول الممرات البحرية . بالتالي، يجب على مجلس التعاون الخليجي أن يعالج قضية القرصنة بطريقة حازمة وأن يتحمل مسؤوليته في مكافحة تلك الظاهرة . ولا بد من التعامل مع المشكلة بطريقة شاملة بما أن الحل الطويل الأمد للقرصنة لا يتم في البحر . فتحسين الوضع الاقتصادي، وتعزيز المؤسسات السياسية، ودعم تشكيل قوات أمن قوية في الصومال، هذه كلها تشكل حلولاً تضع حداً لتلك الظاهرة، لكنها حلول طويلة الأمد . وقد كان مؤتمر دبي في إبريل/ نيسان 2011 جزءاً من هذه العملية .

اقتصاديات القرصنة: من الرابحون؟ ومن الخاسرون؟


كتب بيتر ميدلبروك الرئيس التنفيذي لشركة “جيوبوليسيتي” العالمية للاستشارات الإدارية المتخصصة في المعلومات الاقتصادية والنمو والاستقرار، إنه لدى نشر تقرير مستقل بعنوان “اقتصادات القرصنة: الفديات المدفوعة للقراصنة، وسبل عيشهم قبالة سواحل الصومال” في العام ،2011 فإنه ليس القراصنة وحدهم من يحققون الحد الأقصى من الأرباح، كما بيّنت الاقتصادات الكلاسيكية الجديدة، بل أشار أيضاً إلى أنه لا بد من تحديد الرابحين (المستفيدين)، والخاسرين (من يدفع الثمن) في ما يُعرف ب”سلسلة القيمة المتعلقة بالقرصنة”، وذلك بهدف التخفيف من هذه الممارسة على المدى الطويل . وفي حين أن هذا التقرير والنموذج الاقتصادي القائم عليه لا يركزّان إلا على الحوادث قبالة سواحل الصومال، التي يبلغ عددها 275 من أصل 439 هجوماً للقراصنة في العام ،2011 أنه يطرح أفكاراً مهمة بشأن أفضل طريقة لمكافحة ميول القراصنة للعودة إلى الإجرام .

يتضح بعد توزيع التكاليف والمنافع ضمن سلسلة القيمة المتعلقة بالقرصنة، أن لدى القرصنة أبعاد عرض وطلب عالمية كبيرة، نظراً لوجود صلة مباشرة بين عمل القرصنة والنقل البحري العالمي، وشركات التأمين، وقوات الأمن الخاص والعام، وتطبيق القانون على صعيد إقليمي، والمتعاملين الدوليين في مجال نقل الأموال، والقوات البحرية الدولية، والجهات المانحة للمساعدات .

وفضلاً عن ذلك، أصبحت عبارة “قبالة سواحل الصومال” مضللة على نحو متزايد، هذا لأن معظم الحوادث التي تم تسجيلها في العام ،2012 حتى الآن، وقعت قبالة سواحل اليمن وسلطنة عمان، وليس الصومال بالذات، بصرف النظر عن كون القراصنة مواطنين صوماليين بصورة عامة، فضلاً عن ذلك، نحن أكثر اطلاعاً على قيمة المنافع التي يحققها القراصنة مما على كيفية التكاليف والمنافع أكثر فأكثر في سلسلة القيمة . وبالتالي، فإن القراصنة الأفراد هم الحلقة الأضعف في سلسلة القيمة الكاملة المتعلقة بالقرصنة، على غرار مزارعي الأفيون الذين لا ينالون سوى نسبة تتراوح بين 2 و4% من القيمة الإجمالية للأفيون الذي يتم بيعه في الأسواق العالمية .

ويبيّن النموذج الاقتصادي إطاراً شاملاً لتحليل الاتجاهات، فيما يسلّط الضوء عبر سلسلة القيمة على مواضع تراكم التكاليف والمنافع لدى تقدير التكاليف، يجب أن نضيف كلفة القرصنة البحرية على المجتمع الدولي، وكلفة عمليات القرصنة الجارية على الأرض وفي البحر . وبغية إدراج تحليل الاتجاهات، والمقارنة، والتوقعات يتضمن النموذج (1) تحليل التكاليف والمنافع على مستوى القرصان الفردي، استناداً إلى البيانات الاجتماعية الاقتصادية، وبيانات السوق، والثاني مجموع التكاليف والمنافع على المستوى الأنظمة الدولية، والثالث بيانات شاملة عن عودة ظهور القراصنة حسب التقسيم الوظيفي، والسلطة القضائية .

وعلى الرغم من أن “الرابحين يحصلون على المال من قبل الخاسرين”، لأن لعمل القرصنة أبعاد عرض وطلب عالمية، وبما أن التكاليف والمنافع عامة وخاصة بطبيعتها، فإن تحديد الرابحين والخاسرين من الناحية النقدية الدقيقة هو عملية معقدة . لكن النتائج التوضيحية، استناداً إلى بيانات العام ،2010 وعلى ضوء عمليات القرصنة في العامين 2011 و2012 تشمل الآتي:

 تراوحت تكلفة القرصنة على المجتمع الدولي ما بين 9 .4 و3 .8 مليار دولار وفق تقديرات الحد الأدنى والحد الأقصى، وعلى الأرجح ارتفعت هذه التكلفة في العام ،2011 على الرغم من تطبيق المكتب البحري الدولي أفضل الممارسات الإدارية، ومن التأثير الرادع للشركات الأمنية الخاصة، لا سيما وأن كلفة تنفيذ التدابير الوقائية تفوق التكلفة الاجمالية للفدية المدفوعة للقراصنة سنوياً .

 بلغ مجموع دخل القرصنة قبالة سواحل الصومال حوالي 110 ملايين دولار في العام ،2010 أي حوالي 85 .4 مليون دولار مقابل كل عملية خطف، وعلى الرغم من انخفاض حوادث القرصنة العالمية بشكل هامشي في العام 2010 إلى 439 في العام ،2011 وتبيّن الأرقام وقوع 87 هجوماً حول العالم قبل 18 مارس/آذار ،2012 لا مجال لمقارنة انخفاض أرباح القرصنة التي يحصل عليها المستفيدون المباشرون بتكلفة الاجراءات الوقائية التي تعود بالفائدة على شركات التأمين، والشركات الأمنية الخاصة وغيرها .

 إذا افترضنا وجود حوالي 1500 قرصان عاملين قبالة سواحل الصومال واليمن وعمان، يمكن للقرصان أن يتوقع أن يجني ما بين 33 ألف دولار و79 ألف دولار في السنة، لكي يبلغ مجموع أرباحه مدى الحياة 630 .168 دولاراً و200 .394 دولار خلال فترة عمله لمدة خمس سنوات، شرط أن يتم الحفاظ على أرباح الفدية مع مرور الوقت . عندئذ، يفوق دخل القرصان الدخل الوطني بما يتراوح بين 67 و157 مرة، أو أفضل بديل بعده، وهو 500 .14 دولار طيلة سنين عمله كبالغ . هذا يسلط الضوء على التفاوت الكبير في الدخل بين القراصنة وغير القراصنة، ما يبين الحوافز التي تدفع إلى القرصنة .

وسط انقسام بين الخبراء حول أنسب الحلول

مكافحة القرصنة البحرية بين الخيارين العسكري والتنموي

يطرح خبراء عالميون وجهات نظر متعددة حول الحلول الممكنة لمواجهة مخاطر القرصنة البحرية المستفحلة وتهديداتها العالمية، ويتوقع أن تتم اليوم خلال المؤتمر في دبي مناقشة الحلول قصيرة الأمد الرامية لاحتواء القرصنة الصومالية والحديث عن طروحات حلول إقليمية على المدى الطويل منها خيارات عسكرية ومنها أفكار تقوم على التنمية الاقتصادية للصومال بما يكفل اجتثاث القرصنة من جذورها .





من الحلول قصيرة الأمد المقترحة تثقيف البحارة وتدريبهم بهدف خفض التكلفة البشرية، وترى ماري لينغ اللغوية العسكرية الدنماركية المتخصصة في مكافحة القرصنة والمحافظة على الأمن البحري أن هذا الحل ربما يكون الأنسب في مواجهة الخطر المتصاعد للقرصنة البحرية، وقالت في ورقة عمل خاصة بالمؤتمر: يعاني البحارة يومياً بسبب عدم الاستقرار الحالي في البحار، في آسيا الجنوبية الشرقية، وقبالة القرن الإفريقي، وإفريقيا الغربية وغيرها . ويعتبر ضحايا القرصنة هؤلاء الذين نجوا من مواجهات مع قراصنة وعصابات السطو في البحر . لكنا غالباً ما ننسى أن ندرج ضمن هذه الخانة البحارة الذين يخاطرون بأنفسهم حين يعبرون في مناطق يتعرضون فيها لخطر هجوم عنيف أو أذى أو موت . ويمكن القول إن البحار الذي يعبر في مياه تنتشر فيها القرصنة معرض للخطف أكثر من أي جندي في الخدمة . لذا، يتوجب على القوات المسلحة، وشركات الشحن، ومستأجري السفن، ووكالات البحارة، أن يعدوا البحارة ويعلموهم كيفية التغلب على الضغوط الحادة والخوف من التعرض للخطف .

وأضافت قائلة: وفي هذا الصدد يساعد التدريب على تخفيف الكلفة البشرية الناتجة عن تحول القرصنة إلى مهنة محترفة . لذا، فإن تدريب الرهائن عبر تعليمهم طرقاً متطورة لإدارة الضغوط، وكيفية السيطرة على خوفهم، والتعامل مع الضغوط المرتبطة بحوادث القرصنة، هذه كلها تساعد البحار على القيام بأفضل الخيارات الممكنة في الأوضاع المتوترة، بغية تسهيل نجاته وخروجه سالماً، هو ورفاقه، ومساعدتهم على العودة إلى الديار بأقل قدر ممكن من الإصابات النفسية والجسدية .

وتحدث كل من بيتر تشوك المحلل السياسي في مؤسسة “راند” والخبير الدولي في مجال الإرهاب والجرائم البحرية وكارولين ليس الباحثة في جامعة غريفيث الأسترالية تحدثا في أوراق العمل الخاصة بالمؤتمر عن دور الشركات الأمنية الخاصة في مكافحة ظاهرة القرصنة البحرية، فقالت ليس إن الدول تواجه صعوبة كبيرة في القضاء بشكل كامل على أعمال القرصنة قبالة سواحل الصومال، لذا يتم اللجوء للشركات العسكرية والأمنية الخاصة على نحو متزايد بهدف تأمين حراس مسلحين لحماية السفن التي تبحر في المياه التي تنتشر فيها القرصنة في مياه خليج عدن على نطاق واسع، وقالت إن استخدام هذه الشركات تحول إلى ظاهرة جديدة حيث كانت فكرة تسليح السفن التجارية تلقى معارضة واسعة النطاق قبل موجة الهجمات الحالية التي شنها القراصنة الصوماليون في الأعوام الأخيرة .

وقالت ليس: “إن استخدام حراس مسلحين على متن السفن في خليج عدن على نطاق واسع هو أمر واقعي . وقد استجابت الهيئات التنظيمية الدولية والدول الفردية لاستخدام الحراس المسلحين في المجال البحري . لكن، ونظراً لوجود أوجه قصور في ضمان الأمن البحري على الصعيدين الوطني والدولي، تبقى عملية مراقبة أنشطة الشركات العسكرية الأمنية الخاصة ضمن المجال البحري، ومحاسبتها، أمراً صعباً لم تتم معالجته كما ينبغي حتى الآن . لذا لا بد للدول والمجتمع الدولي من اتخاذ المزيد من الإجراءات لضمان تأدية الشركات الأمنية الخاصة دورها المتنامي ضمن سياق آمن ومسؤول ومنظم تنظيماً جيداً” .

من جانبه قال تشوك إنه “بغض النظر عن المشكلات والصعوبات المرتبطة باستخدام شركات عسكرية وأمنية خاصة في مجال مكافحة القرصنة، فالحقيقة هي أن زوال تلك الشركات في أي وقت قريب هو أمر بعيد الاحتمال . حتى إن الغرفة الدولية للشحن التي اعترضت دوماً على استخدام الشركات الأمنية، تقبلت على مضض إمكانية لعب هذه الأخيرة دوراً في حماية السفن في المستقبل . اتضح الأمر جلياً العام الماضي حين اعترف رئيس الاتحاد الدولي للنقل البحري، سبيروس بوليميس، بضرورة تمكن الملاحين من الإبقاء على جميع الخيارات الممكنة، بما فيها الحراس، للدفاع عن طاقمها ضد أي هجوم” .

والمعضلة هي أنه مع ازدياد بحث الشركات الأمنية الخاصة عن فرص عمل جديدة خلال الحروب في العراق وأفغانستان، من المحتمل فعلاً أن تتحول مكافحة القرصنة إلى مهنة جذابة تستقطب كافة الجهات الفاعلة التي قد يكون أو لا يكون لها خلفية مناسبة في مجال الأمن البحري . لذا، وبغية التصدي لهذا الخطر، لا بد من وضع بروتوكولات مناسبة تحدد قواعد الاشتباك، وترخيص الأسلحة، وعبور الفرق المسلحة في المياه الإقليمية لدول ثالثة . ويوازي الأمر أهمية إنشاء مكاتب تسجيل للتدقيق في حسن نية الشركات المختلفة التي تؤمن خدمات حماية للسفن التجارية في الوقت الحالي .

وكان لجاك بيل الخبير المعين من قبل جمهورية السيشيل في مجال القرصنة البحرية لخلية مكافحة القرصنة رأي مهم حول الحلول المتاحة على الصعيد القانوني ويتمثل، على حد قوله في ورقة العمل الخاصة به، أفضل حل لمشكلة القرصنة قبالة الساحل الصومالي في وضع إطار تعاوني فعال بين الدول الإقليمية المحاربة للقرصنة على الصعيدين العملي والقانوني .

وقال: “في الواقع، لا يمكن لبلد واحد أو حتى لمنظمة دولية واحدة أن تتولى تنفيذ هذا الحل، لأن الأمر يتطلب عملاً مشتركاً يقوم به المجتمع الدولي ككل . غير أن لجنة المحيط الهندي أثبتت حتى الآن أنها بذلت جهداً ملحوظاً في دفع العمل الإقليمي في تلك المنطقة إلى الأمام . لذا، ليس من المفاجئ أن تكتسب هذه اللجنة اليوم لقب البطولة في حشد الدول الإقليمية لمكافحة القرصنة” .

وتحدث الخبراء عن الحلول الإقليمية الممكنة لمواجهة تحدي ومخاطر القرصنة البحرية على المدى الطويل ومن بينها الحل العسكري حيث اقترح اللواء الركن بحري إبراهيم المشرخ قائد القوات البحرية لدولة الإمارات العربية المتحدة ضرورة بناء قوة تدخل فعالة لدول مجلس التعاون الخليجي في البحر، لافتاً إلى أهمية إحياء القوة العربية لمكافحة القرصنة .

وقال إنه من المهم اتخاذ إجراءات فورية بهدف الحد من آثار القرصنة وتتمثل في:

- تعزيز الحماية داخل السفن التجارية، وهو أمر يقع ضمن إطار مسؤولية شركات السحن .

- حماية الممرات البحرية عبر إرسال وحدات بحرية في عرض البحر، وهو أمر تتولى مسؤوليته الدولة .

وقال أما في ما يتعلق بالحل الأخير، فقد أظهر توسع عمليات القرصنة في السنوات الأخيرة محدودية الاكتفاء باعتماد منهجية عسكرية فحسب . في الواقع، وعلى الرغم من قيام عدد كبير من القوات البحرية بدوريات في المنطقة، ظل عدد هجمات القراصنة مرتفعاً . هذا لأن حشد القوات البحرية على مقربة من سواحل الصومال أدى إلى توسيع مناطق عمليات القراصنة . لكن القوات البحرية تستلزم مساهمة ضرورية لا يمكن أن تغيب عنها البلدان العربية . بالتالي، يجب إنشاء مجموعة من دول مجلس التعاون الخليجي لمكافحة القرصنة، تستخلص العبر من السنوات التي أمضتها ضمن قوات الواجب البحري 152 . وبما أنها تشكل العمود الفقري للقوة العربية التي تم تصورها في عام ،2009 فهي قادرة على تعزيز الوجود البحري الفعلي قبالة سواحل الصومال . أيضاً، يمكن لتلك القوة أن تحقق نتائج مهمة بعد استفادتها من الروابط التاريخية، والعلاقات الاقتصادية الطويلة الأمد، والمعرفة التامة بالمجتمع الصومالي، وخصوصاً التركيبة القبلية فيه . فضلاً عن ذلك، بإمكانها خلق تآزر ضمن القوات البحرية التابعة للدول المشاركة، وتحسين جاهزيتها العملياتية وفعاليتها في البحر، بانية قواعد بحرية تحفظ الأمن على المدى الطويل في تلك المنطقة الاستراتيجية . إضافة إلى هذه الخطة العملياتية، سيكون تشكيل قوة مماثلة بمثابة تأكيد سياسي على التزام الدول العربية بالكامل بحفظ الاستقرار في المنطقة .

وأضاف قائلاً إنه وبهدف تشكيل قوة مماثلة، يجب السعي أولاً إلى التوصل إلى إجماع بين أعضاء دول مجلس التعاون الخليجي . عندئذ، يمكن لقوة مكافحة القرصنة التابعة لدول مجلس التعاون الخليجي والمؤلفة من سفن حربية وطائرات للدوريات البحرية أن تعتمد على مركز تبادل المعلومات المنشأ في البحرين .

أما الخطوة الثانية فتتمثل بجمع الدول العربية كافة التي كانت جزءاً من الاتفاق في عام 2009 . لكن يبدو أن بعض القوات البحرية، وعلى الرغم من نواياها الحسنة، لن تتمكن من توفير القدرات البحرية المناسبة . لذا، يترتب على دول مجلس التعاون الخليجي، وكما فعلت الإمارات العربية المتحدة لدعم جزر السيشل في مساهمته في مكافحة القرصنة، أن تنظر في تزويد خفر السواحل بالمعدات المناسبة وفي تدريب البلدان المشاركة . من شأن هذا الاستثمار المحدود أن يعزز القوات الساحلية، سامحاً لها بتحسين تغطية مياهها الإقليمية . أيضاً يمكن أن يقتصر دور بعض البلدان على توفير معلومات عن حركة المرور البحري .

في هذا الصدد يرى المشرخ أن هناك مواقع مثالية لمراقبة حركة المرور وهي قناة السويس، ومضيق باب المندب، وسقطرى، وهرمز . بالتالي، يؤدي عدم ترك أي قطاع مظلم إلى الحد من حرية تنقل القراصنة، وإلى عدم تمكنهم من إيجاد أي ملجأ خارج المياه الصومالية، وإلى اعتراض القنوات اللوجستية الخاصة بهم . لذا، فإن النجاح في جمع البلدان العربية تحت مظلة واحدة يضعف القرصنة . كما أن الجهود المبذولة لزيادة التوعية ضمن النطاق البحري تساعد على مكافحة الاتجار غير المشروع بالبضائع أو الأسلحة أو البشر في البحر الأحمر وخليج عدن . تلك الجهود هي بمثابة إسهام أساسي في مكافحة الإرهاب الذي يشكل بدوره تهديداً كبيراً لدول مجلس التعاون الخليجي .

ومن جانبه قال جون هاغينز الضابط السابق في حلف الناتو ومدير برنامج لمكافحة القرصنة في مؤسسة “وان إيرث فيوتشر” إن على القوات الدولية المعنية بمكافحة القرصنة السعي إلى تركيز جهودها في العامين ونصف العام المقبلة على دعم حل دائم بقيادة إقليمية، ويرى أن الطريقة الأسرع والأكثر فعالية لتحقيق هذا الهدف هي البناء على النجاح الذي تم تحقيقه على الصعيد التكتيكي من خلال توثيق التعاون مع الشركات الأمنية، والتنسيق مع شركات النقل البحري، كما تتمثل أيضاً بوضع آليات التخطيط والتطبيق اللازمة لتحويل الجهود الراهنة من عمليات متمحورة حول سلاح البحرية إلى جهود خاضعة للقانون ومقادة إقليمياً .

ومن الحلول الأخرى المقترحة بناء قدرة الصومال للدفاع عن النفس والاعتماد على الذات والذي أبرزه محيي الدين علي يوسف الرئيس الحالي لمجموعة العمل التي أنشئت لمكافحة القرصنة في مقديشو والمرشح السابق لرئاسة الوزراء في الصومال وبونتلاند، وقال إن الحصار البحري وحده لا يكفي إذ يجب نقل المعركة إلى البر الأمر الذي يقع على عاتق القوات الصومالية . ودعا أصحاب المصالح المعنيين إلى بذل جهود منسقة في مجال بناء القدرات بالتعاون الوثيق مع الصومال ودول المنطقة والمجتمع الدولي على نطاق واسع .

وأبرزت  أينا شورتلاند الأستاذة في شؤون الاقتصاد والمالي في جامعة برونيل والباحثة في المركز الألماني للبحوث الاقتصادية (دي أي دبليو) أهمية توفير سبل عيش بديلة وتطوير النمو الاقتصادي والحفاظ عليه في المناطق المضطربة كحل لمواجهة مخاطر القرصنة واجتثاثها من جذورها على المدى الطويل .

وقالت: يشكل وضع استراتيجية للتنمية الاقتصادية جزءاً مهماً من نهج مكافحة القرصنة من البر، لكن يجب أن يقترن ذلك بإنفاذ القانون بشكل فعال، وهو أمر من المحتمل جداً حدوثه، لا سيما أن حكومة بونتلاند تسعى إلى التخلص من لقب “دويلة القراصنة” المنسوب إليها، وإلى تحسين وضعها المالي حين تبدأ بالاستفادة من عائدات النفط . لكن من المرجح أن يؤدي حرمان بعض المجتمعات الفقيرة في العالم من عملها إلى سفك الدم والوقوع في بؤس مادي كبير . لذا، يجب على المجتمع الدولي أن يلعب دوراً في تقديم سبل عيش بديلة، لمن لا يجد أمامه أي خيار سوى القرصنة لكي يكسب المال .