تواصلت على مدى هذا الأسبوع بالحمامات أشغال منتدى التعاون الصيني العربي الخامس المنعقد تحت شعار «تعميق التعاون الاستراتيجي ودعم التنمية المشتركة» علما وأنّ المنتدى قد سبقته اجتماعات تحضيرية على مستوى الخبراء يومي الثلاثاء والاربعاء قبل الاجتماع الوزاري الذي انعقد الخميس الماضي بحضور ممثلين عن 17 دولة عربية بينهم 16 وزيرا.
وتجدر الإشارة الى ارتفاع قيمة المبادلات التجارية بين الدول العربية والصين من 38 مليار دولار في 2004 السنة التي شهدت تأسيس هذا المنتدى الى 200 مليار دولار في 2011 علما وأنّ العالم العربي هو سابع شريك اقتصادي للصين.
ويطمح المنتدى الى بلوغ حجم تبادل بقيمة 400 مليار دولار بحلول سنة 2014.
وفي قراءة لواقع وآفاق التعاون الاقتصادي والاستراتيجي بين الصين والدول العربية، اتصلت «الصحافة الاقتصادية» بالخبير في مبادلات الطاقة رضا مأمون، الذي أكّد بداية أنّ الصين تسعى منذ سنوات ومن خلال المنتديات الثنائية ومتعددة الأطراف الى توسيع حجم استثماراتها وصادراتها في العالم العربي، مشيرا الى أنّ العملاق الصيني يسعى أيضا الى استغلال التحوّلات التي تشهدها بعض الدول العربية بما يخدم مصالحه خاصة في الدول التي تغيّرت فيها الأنظمة، وفي هذا السياق قال أنّ الشركات الصينية لاقت مضايقات في تونس خلال النظام السابق بسبب أصهار الرئيس السابق الذين عرقلوا دخول شركات النفط الصينية مقابل السماح للشركات الفرنسية والإيطالية والأمريكية وتلقي عمولات مقابل ذلك لكن الآن الوضعية اختلفت والفرصة مؤاتية للصينيين على حدّ قوله.
وأضاف رضا مأمون أنّ الشركات الصينية العاملة في مجال التنقيب عن النفط تقدم أسعارا أكثر تنافسية من نظيراتها الاوروبية وكمثال على ذلك تقوم الشركات الاوروبية بالتنقيب مقابل سعر يتراوح بين 35 ألفا و40 ألف دولار بينما تقترح الشركات الصينية 16 ألف دولار.
وبخصوص الكفاءة والجودة فإنّ الصينيين قادرون على المنافسة وقد أثبتوا ذلك خلال عملهم في الدول العربية وخاصة في تونس حيث لاقت جميع مشاريعهم في بلادنا النجاح المطلوب مثل شركة النفط الصينية «Challenger» التي عملت لفترة طويلة في ليبيا ثم دخلت السوق التونسية تحت اسم «Rigor» وتحصلت على عديد المشاريع وتواصلت تجربتها بنجاح الى أن غادرت بلادنا بعد تعرّضها لمضايقات من المشرفين على قطاع النفط.
وأضاف رضا مأمون في سياق تحليله للعلاقات الاقتصادية التونسية الصينية: «البلدان بصدد التحضير لعديد المشاريع المشتركة التي سيوقّعها وزيرا خارجية البلدين على هامش المنتدى وتشمل قطاعات الصحة والصناعة والجودة».
وعن إقبال الصينيين على العالم العربي خلال هذه الفترة بعد التحوّلات الأخيرة، قال رضا مأمون أنّه ليس بالأمر الجديد لأنّ الغاية منه هو تسويق منتجاتهم من موادّ صناعية واستهلاكية متعددة ولا يقتصر الأمر فقط على استغلال النفط العربي، خاصة وأنّ هذه المنطقة من العالم تضمّ عديد الثروات الطبيعية الاخرى اضافة الى النفط كالموادّ الأوّلية وخصوصا المعادن مثل الزّنك والنحاس والفسفاط وتونس لها ثروات هامّة في هذا المجال.
كما أوضح أنّ التنافس أصبح على أشدّه بين الصين والولايات المتحدة وأوروبا للسيطرة على مصادر الطاقة في العالم وخصوصا في الدول العربية، وقال: «بالنسبة إلينا الشركات الصينية يمكن أن توفّر تكلفة أقلّ من الشركات الاخرى وحتى عند الحديث عن الجودة يمكن اعتبار التكنولوجيا الصينية متطوّرة ومكنتها من سبق الدول العظمى الاخرى في عديد المناطق أهمّها جنوب السودان لذلك أنا أدعو الى فتح مناخ الاستثمار في تونس أمام الشركات الصينية بشرط أن تتم جميع المعاملات والصفقات ضمن أطر الشفافية».
أما الخبير الاقتصادي محسن الشيخ فيرى أن منتدى التعاون الصيني العربي الخامس يتسم بأهمية كبيرة من خلال توقيته حيث يتزامن مع تحوّلات «الربيع العربي» وكذلك مع التجاذبات الاقتصادية العالمية الحاصلة بين الصين وروسيا والولايات المتحدة داخل المنظمة العالمية للتجارة.
وأضاف : «الصين تبحث عن موطئ قدم في الدول النامية وخاصة منها الدول الافريقية والعربية ومنها تونس في إطار عملية استقطاب، الغاية الاساسية منها هي تسويق البضائع الصينية».
وأضاف أنّ العلاقات الاقتصادية بين الصين والعالم العربي تندرج ضمن العلاقات الاقتصادية العالمية المنضوية تحت منظومة المنظمة العالمية للتجارة وهي علاقات عمرها أكثر من قرن بين الغرب والدول العربية والافريقية.
وفي إطار هذه العلاقات يبحث الغرب عن مصادر الطاقة والثروات الطبيعية، والصين كقوة اقتصادية عظمى تسير على خطاه من خلال البحث عن علاقة استراتيجية مع العالم العربي الذي يزخر بعديد الثروات كالنفط والفحم الحجري والمواد الباطنية من حديد وزنك وفسفاط.
لذلك اعتبر محسن الشيخ أنّ غاية الصين هي منافسة الدول العظمى باعتبارها دولة صناعية وثاني أكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة.
وقال في هذا الإطار : «في اعتقادي لن تجد الشركات الصينية رواجا كبيرا في العالم العربي لأنّ بلدانه تربطها علاقات تاريخية واستراتيجية سواء مع الدول الاوروبية كما هو الحال في المغرب العربي أو مع الولايات المتحدة كما هو الحال مع دول الخليج».
كما أنّه من الناحية الجيوإستراتيجية اعتبر أنّ الصين دولة بعيدة جغرافيا عن العالم العربي ممّا سيؤثر على تكلفة نقل البضائع بين الجانبين التي ستكون باهظة ممّا سيرفع من الأسعار مثل قطع الغيار المستوردة من الصين بأسعار مرتفعة، وحتى السلع الرخيصة القادمة من الصين والتي غزت الأسواق العربية فهي سلع موازية وليست سلعا أساسية.
كما أوضح من جانب آخر أنّ التعاون الاقتصادي مع الصين لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون بديلا عن التعامل مع الدول الغربية لأنّ هذه الأخيرة، توفّر مرونة أكبر في معاملاتها التجارية مع العالم العربي خاصة فيما يتعلق بالخلاص والضمانات المالية. واعتبر محسن الشيخ أنّ النقطة الأهمّ في هذا الخصوص هي جودة البضائع المستوردة لأنّ المنتجات الأمريكية والأوروبية أعلى جودة من المنتجات الصينية التي تعتمد على الكثرة وليس على الكيف (النوعية) والتكنولوجيا الصينية حتى وإن كانت متقدمة فإنّها في جانب كبير منها تقوم على تقليد التكنولوجيا الغربية ولا تعتمد معيارا ثابتا على حدّ تعبيره.