تعليقاً على دعوات مجلس التنمية الاقتصادية لزيادة إنتاجية الاقتصاد الوطني
في المراجعات الأخيرة لأداء الاقتصاد الوطني، وتحليل مؤشرات النمو الاقتصادي في البحرين، يركز مجلس التنمية الاقتصادية على تحدي زيادة انتاجية الاقتصاد الوطني كحاجة ملحة لرفع معدلات النمو الاقتصادي في البحرين.
ويرى محللون أن زيادة انتاجية الاقتصاد ترتبط بعوامل عديدة منها كفاءة إدارة المنشآت على مستوى الاقتصاد الجزئي، وكفاءة إدارة الاقتصاد ككل على مستوى الاقتصاد الكلي.
ويؤكدون هنا، فيما يخص سياسات الاقتصاد الكلي، أن جزءا من أسباب التحديات الاقتصادية المتراكمة في مجتمعنا يعود الى الافتقار الى ديناميكية الإدارة الاقتصادية وبطء اتخاذ القرارات المصيرية؟
ويضيفون: كثيرا ما أثير هذا التساؤل في الماضي، وهو لا يزال يثار على أية حال، على الرغم من تفاوت حدة الإجابة عليه بين نشاط وأخر. والشكوى تأتي عادة من القطاع الخاص والمستثمرين الإجانب، وحتى بعض المواطنين الذين تطالهم بعض الأحيان مضار ذلك التأخير او التردد في اتخاذ القرارات أو عدم وضوحها أو عدم الاستجابة الصحيحة للمشكلة القائمة.
ويقول هؤلاء المحللون إنه في الدول الاسيوية التي قطعت شوطاً كبيرا في تجاربها التنموية يمكن ملاحظة وبوضوح ومن على صدر صفحات جرائدها اليومية واعلامها المسموع والمرأي كيف ان كافة شؤون الحياة الاقتصادية الاستراتيجية والتفصيلية مطروحة للحوار والمداولة ابتداء باجهزة الدولة ووصولاً الى فئات المواطنين. وكيف ان المعلومات التفصيلية حول هذه الشؤون مكشوفة ومعروفة دون لبس ومواربة. وكيف ان المجال مسموح للتعاطي معها.. وكيف أن اول ما يبرز تطور جديد يمس الاقتصاد تشكل الاجهزة المتخصصة التي تتعامل معها استعداداً لاتخاذ القرارات الضرورية بشأنها.. وكيف.. وكيف.
ويتسائلون: فلماذا تختفي هذه المظاهر عندنا .. ولماذا الفراغ والبطء في التعامل مع شؤوننا الاقتصادية. وغني عن القول ان هذه الظاهرة باتت تتضاعف خطورتها بالنظر لانفتاح المجتمع على الخارج وتدفق التطورات والمتغيرات الذي يتطلب معها قدراً كبيراً من الديناميكية والابداع والمبادرة.
ويجيب هؤلاء المحللون على أنفسهم قائلين: ان لهذه الظاهرة اسبابا عديدة؛ منها ما يتعلق بالخلل الموجود في إدارة الاقتصاد ككل، ومنها ما يتعلق ببعض الظواهر والمشاكل التي يعاني منها القطاع العام بالذات، ومنها ما يتعلق بغياب المؤشرات والمعايير التي تقيس الإداء الاقتصادي وترشد اتخاد القرارات من قبل صانعي القرار.
وفيما يخص الأسباب المتعلقة بإدارة الاقتصاد اكلي، يبرز أولا غياب الاستراتيجية المتوسطة والطويلة الأجل للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والتي يمكن اخذ فلسفتها واهدافها ومعاييرها كأساس لقياس كيفية التعامل مع المعطيات والمستجدات، والتي على أساسها يمكن اتخاذ القرارات.
وسبب ثان للقصور في ادارة شؤوننا الاقتصادية؛ هو ضعف الكوارد الفنية المسؤولة والقادرة على التعامل مع هذه المعطيات والمستجدات بروح ابداعية ومبادرة في العديد من الأجهزة الحساسة والهامة للاقتصاد. كما أن هناك ثقافة متراكمة لدى البعض من هذه الكوادر وعلى أعلى المستويات في التشاور والتحسب وتجنب الميل لتحمل المسئولية وتفضيل مباركة من له علاقة مباشرة او غير مباشرة بالقرارات الصادرة.
كما ان القطاع الخاص بدوره لا يسعى بالجهد المطلوب من اجل تكريس دوره في التنمية الاقتصادية، مما يفقد مسار الابداع والابتكار احد اعمدته الرئيسية. وعلى الرغم من رفع شعار أن هذا القطاع هو شريك في التنمية، وأنه المفترض أن يحمل لواء التنمية خلال الفترة القادمة، الا أنه لا يزال بعيدا عن تحقيق هذا الهدف، كما أن العديد من القرارات والمشاريع الحيوية لا تزال تصدر بدون مشاورته والتحاور معه.
وسبب رابع للقصور؛ هو ان هناك نقص واضح في الشفافية والافصاح عن المتغيرات والمعلومات التي تهم التطور الاقتصادي والاجتماعي بما يفسح المجال امام تعاطي الاكاديميين والخبراء والمهتمين بها من مواقعهم المسؤولة، وهذا ما سوف نتناوله بشكل أكثر تفصيلا لاحقا.
واخيراً، فان المجتمع بحاجة الى تقوية وتعزيز اجهزة البحث الاكاديمي والعلمي والمهني التي تهتم بدراسة كافة شؤون المجتمع وتضع الدراسات والبحوث والمسوحات الميدانية التي تتخذ كأساس للاسترشاد بها في توجيه دفة المجتمع وعجلة نموه، وتمثل منتديات للتفكير والحوار think tank والمساعدة في التوصل للقرارات.
ان التطورات العالمية والاقليمية المتسارعة تحتم ان يسعى الاقتصاد الوطني للاستجابة لما تفرزه من معطيات ومتغيرات مستارعة. وهذا لن يتأتى الا بوجود ادارة اقتصادية فاعلة وديناميكية تستقرئ تلك التطورات اول بأول وتشخص انعكاساتها على اوضاعها الاقتصادية، وتبادر الى وضع التصورات والافكار للتعامل معها، وتدرك أيا من الاجهزة قادرة على التعامل معها، بل وتبادر الى وضع اجراءات تخطيطية تسعى لاستباق آثار تلك التطورات وتتحاشي سلبياتها، مع الاستفادة من ايجابياتها.
وعندما يجري الحديث عن مستوى آخر من أسباب تلك الظاهرة والمتعلقة بالقطاع العام تحديدا، يلاحظ هؤلاء المحللون تصاعد الدعوات التي يطلقها فريق من الاقتصاديين للتسريع في تنفيذ برامج التخصيص كعلاج لوجود مظاهر الروتين والبيروقراطية وضعف الانتاجية في مرافق هذا القطاع. الا أن فريقا آخر وعوضا عن ذلك، يفضل إطلاق دعوات التحديث والتطوير الاداري، وذلك من اجل تحسين اداء القطاع العام وزيادة كفاءته ليثبت جدارته وسط المتغيرات الاقتصادية الاقليمية والعالمية. لذلك فقد بات الحديث عن التحديث الاداري متزامنا مع الحديث عن التخصيص. ولا شك ان الحديث عن التحديث الاداري هو حديث هام وقائم بذاته، لاسيما اننا على ابواب قرن جديد.
لا شك ان موضوع التحديث الاداري كطريق لتفعيل ديناميكية إدارة الاقتصاد، وترشيد استخدام الموارد هو موضوع هام، ويمثل مظلة لشيء أهم، وهو رفع اداء الاجهزة الحكومية، حيث ان رفع ادائها هو أحد العوامل الرئيسية في زيادة الانتاجية، وهو احد المطالب الهامة لقطاع رجال الأعمال والمواطنين والمستثمرين الأجانب.
محللون: فاعلية وكفاءة إدارة الاقتصاد يسهمان في زيادة الإنتاجية ورفع معدلات النمو
المصدر:
الأيام البحرينية