كتب - السيد سليمان
حينما سارعت صحف العالم ووكالات أنبائها للإعلان عن سقوط دبي في صدر صفحاتها وعنوانيها إبان الأزمة المالية التي ألمت بها منذ نحو خمس سنوات، بدا جلياً حالة المبالغة التي وصلت إلى حد التشفي حينها بدأ من العناوين القادمة من واشنطن مروراً بلندن حتى الصحف العربية حذت حذو مثيلاتها الغربية في تصوير دبي بالمدينة المنهارة التي لن تقم لها قائمة فقد عنونت إحدى الصحف العربية الخليجية عن دبي حينها "كان صرحاً من خيالٍ فهوى" تعليقاً على اتجاه الإمارة الخليجية إلى الهاوية.
ولكن على طريقة "الأسود تمرض ولكنها لا تموت" عادت دبي من جديد للتعافي من أزمة ألمت بها في 2008 مع حزمة جديدة من المشاريع في مجالات شتى كفيلة بإعادتها مرة أخرى إلى المسار الصحيح لتعزز من كونها قبلة للمال والأعمال ليس في منطقة الخليج فقط بل والشرق الأوسط بأسره.
فقد أثارت الأنباء السيئة التي نشرت حينها حول عجز إمارة دبي عن تسديد ديونها حالة من القلق في الأسواق العالمية، بحيث هبطت على إثرها مؤشرات أبرز الأسواق الدولية، بالإضافة إلى أسعار النفط التي تراجعت هي الأخرى، وكان لتناول وسائل الإعلام العالمية عظيم الأثر في تضخيم الأزمة حين أعلنت شركت دبي العالمية التي تمتلك العديد من الشركات التابعة الكبيرة مثل شركة "نخيل"، أكبر شركة تطوير عقاري في دبي ، وليمتلس، كما تمتلك الحصة الأكبر في شركة "موانئ دبي العالمية" التي تدير 49 محطة في مناطق عديدة في العالم عن طلب لتجميد ديون بقيمة 26 مليار دولار وإعادة هيكلتها.
وتم تصوير الأمر حينها على أنه وفاة إكلينيكية للإمارة الخليجية فالنيويورك تايمز كتبت عن "السقوط المتصاعد" للمدينة التي سبق وأن تم التهليل لها على أنها القوة الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط. ولخصت النيويوزويك الموضوع في عنوان بسيط قالت فيه :" وداعاً دبي".
فقد عمدت حكومة دبي حينها على وضع الأسس والأطر التي من الممكن أن تحل الأزمة في ظل الكثير من الصعوبات والعراقيل التي وضعت في طريقها ولكن الحكومة انتهجت طريق تصويب الخطأ والعمل على عدم الوقوع فيه مستقبلاً من خلال الانتباه لترشيد تمويل الكيانات المرتبطة بالحكومة و وضع خطط طويلة الأمد للتخلص من أعباء الديون.
وعن البنية التحتية حدث ولاحرج حيث تمكث القيمة الاقتصادية الأكثر أهمية بالنسبة لدبي في بنيتها التحتية الخاصة بالنقل والمواصلات. فهي تدير سابع موانئ العالم ازدحاما ً، وأفضل عشرة في مجال الشحن الجوي. كما أن التجارة تمر من إفريقيا إلي آسيا ومنها إلي أستراليا من خلال دبي.
فقد أدرك الشيخ راشد آل مكتوم حاكم دبي رحمه الله الأهمية القصوى لتعزيز البنية اللوجيستية لدبي منذ أن قرر حفر خور دبي في عام 1959 من أجل السماح للسفن الكبرى بالدخول، حيث اعتقد كثيرون أنها فكرة مجنونة ومكلفة لكن الشيخ راشد أثبت وجهة نظره ونجح في إعادة دفع الديون خلال فترة وجيزة، وبدأت دبي في الازدهار كمدينة ساحلية، كما جاء قراره ببناء منطقة جبل على في قمة الحكمة على الرغم من سهام النقد التي طالت منه حينها فاليوم تعمل 174 شركة من إجمالي 500 شركة عاملة في مجال الثروات حول العالم انطلاقا من منطقة جبل علي، وهو ما يثبت أن هذا القرار كان قرارا صائبا بشكل لا يحتمل التأويل.
فإمارة دبي جزء من كيان أكبر اسمه الإمارات فكان حرياً على الجارة والشقيقة الكبرى أبوظبي أن تمد يد العون لدبي وهو ما حدث بالفعل حيث قدمت اشترى حينها مصرف الإمارات المركزي، الخاضع لسيطرة أبوظبي، سندات بعشرة مليارات دولار من سندات طرحتها حكومة دبي قيمتها 20 مليار دولار في وقت سابق هذا العام، كما اشترى بنكان من أبوظبي سندات بخمسة مليارات دولار بالإضافة إلى حزمة المساعدات العاجلة لشركات العقارات في دبي.
وفيما يصور البعض دبي على إنها إمارة مستقلة في منافسة مع أبوظبي كان يفترض أن تمتنع العاصمة عن ضخ الأموال لانتشال دبي من عثرتها، وهو مالم يحدث فقد لبت أبوظبي نداء وضخت الأموال اللازمة لتقضي على أي فرضية تتعلق بكيان مستقل لدبي فدبي جزء من كيان أكبر يسعى الجميع للارتقاء باسمه عالياً وهو دولة الإمارات.
فحسب البيانات الصادرة عن مؤسسة "سي إم إيه داتافيجن" فقد تراجعت تكلفة التأمين على ديون دبي السيادية لأجل 5 سنوات بنحو 24% في الربع الأخير من العام الماضي 2012 لتصل إلى نحو 230 نقطة أساس مقابل 3 .302 نقطة أساس في نهاية الربع الثالث..
ووفقاً أيضاً للبيانات وصل التراجع في تكلفة التأمين على ديون دبي السيادية بذلك إلى نحو 65% عن أعلى مستوى وصلت إليه عام 2009 عندما بلغت 655 نقطة أساس، ويعكس ذلك التراجع الكبير تعزز الثقة بقوة في اقتصاد الإمارة الذي سجل مستويات نشاط وتعاف واضحة خلال العام الماضي.
الجدير بالذكر أن تكلفة التأمين على ديون الإمارة السيادية واصلت التراجع في الأسابيع الأولى من العام الجاري إلى 209 نقاط أساس.
فقد تم خفض الفجوة في موازنة العام المالي 2013 بين الإيرادات العامة 620 .32 مليار درهم، والنفقات العامة 120 .34 مليار درهم، بنسبة 18% مقارنة بالعام المالي 2012 .
ووفقاً لأرقام الموازنة فستزيد إيرادات حكومة دبي في العام الجاري بنسبة 2 .7%، مقارنة بالإيرادات العامة للعام المالي 2012، وتم رفع الإيرادات الضريبية بما نسبته 15% من إجمالي الإيرادات الحكومية مقارنة بالعام المالي 2012 والتي تمثل 23% من إجمالي الإيرادات الحكومية، وتشمل الجمارك وضرائب البنوك الأجنبية، نتيجة تطور حصيلة الجمارك، الأمر الذي يفسر النمو الاقتصادي للإمارة.
وكان لصافي إيرادات النفط ارتفاعاً في العام المالي 2013 بما نسبته 8 .11% مقارنة بالعام 2012 حيث يعود ذلك لارتفاع أسعار البترول.
وخصصت حكومة دبي نحو 16% من الإنفاق الحكومي لدعم مشاريع البنية التحتية التي تسهم في ترسيخ جاذبية دبي للاستثمار، وتشكل هذه النسبة انخفاضاً عن مخصصات العام الماضي بنسبة 8 .4% نتيجة الانتهاء من العديد من المشروعات الكبيرة.
فقد قال مجلس المطارات الدولي في وقت سابق إن معدل تدفق الركاب في مطار دبي الدولي قد قفز بنسبة 13.2% خلال العام الماضي 2012, وهو ما يضع مطار دبي في المرتبة الثالثة ضمن قائمة أكثر المطارات ازدحاما في العالم، وهو ما يفسر اجتذابها للمزيد من الزائرين سواء بنية العمل أو السياحة، وارتفع إجمالي عدد الركاب خلال العام الماضي 2012 ليصل إلي 57.86 مليون مسافر, مقارنة بـ50.98 مليون راكب في 2011.
وعل هذه الأرقام التي ترتفع باستمرار تعطي تفسير أخر لماذا نجحت دبي في تجاوز الأزمة فدبي ليست دولة ذات كيان اقتصادي صناعي ثري بالنفط مثل المملكة العربية السعودية أو دولة مستهلكة للاقتصاد مثل أميركا أو من نوعية البلدان ذات التوجهات التصديرية مثل ألمانيا ولكنها مدينة محورية، تربط الأشخاص والأسواق والبضائع، ولن يكون بمقدور أي مدينة إقليمية أخرى أن تتفوق على دبي في تلك الجزئية فهي متقدمة عن الآخرين بفارق كبير للغاية.
فقد نجحت دبي في اجتذاب المزيد من رؤوس الأموال التي غادرت بلدان الربيع العربي لعدم استقرار الأوضاع فيها فهي بمثابة الملاذ الآمن لجيرانها الذين يتوافدون إليها من الدول المجاورة التي تمر باضطرابات سياسية وأمنية، وينقلون إليها أعمالهم ورؤوس أموالهم.
ويقدر الخبراء أن نحو 30 مليار من رؤوس الأموال المعفاة من الضرائب تدفقت إلى دبي منذ أن اندلعت شرارة الثورة العربية الأولى في تونس قبل ثلاث سنوات.
يبدو سوق دبي المالي يسير بخطى ثابتة نحو التعافي على الرغم من بطأ نسبي في وتيرة التعافي إلا أن السوق أنهى العام الماضي مرتفعاً بنسبة 20% ليأتي في صدارة الأسواق الخليجية من حيث النمو.
وبلغت قيمة التداولات التراكمية في العام الحالي ما مجموعه 47.7 مليار درهم، بنسبة نمو بلغت 50 % مقارنة بنفس الفترة من العام 2011، وهو ما يدل على عودة قوية للثقة الشرائية لدى المستثمرين، ما انعكس إيجابياً على نشاط السوق.
عودة الثقة لم تقتصر فقط على ارتفاع السيولة، بل امتدت لتشمل إقبال المستثمرين على السوق، حيث بلغت كمية التداولات التراكمية خلال العام الحالي ما مجموعه 39.5 مليار سهم، وذلك بنسبة نمو بلغت 57 % مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، وذلك من خلال عدد صفقات بلغ 608 ألاف صفقة بمعدل يومي قارب 1750 صفقة وذلك بنسبة نمو بلغت 37 % مقارنة بالعام الماضي.
تاريخياً عرف عن دبي تعرضها لأزمات عديدة نجحت في الخروج منها معلى سبيل المثال فالكشف عن اللؤلؤ في اليابان عمل على تدمير صناعة اللؤلؤ الحيوية هناك في عقد العشرينات من القرن الماضي كما تسببت الحرب العالمية الثانية بشكل كبير في تراجع حركة التجارة إلى دبي، وعملت موجة انخفاض أسعار النفط في منتصف التسعينات على إصابة الاستثمارات الأجنبية بالجفاف إلا أن دبي نجحت في الخروج من هذه الأزمات جميعها مع أخذ الدروس المستفادة في الاعتبار وهو ما يتعين عليه الاهتمام به في الوقت الحالي وهو الاستفادة من الماضي واتخاذ الحيطة والحذر في المستقبل.