تواصل مجلة مباشر
TV مباشر
اتصل بنا اعلن معنا   ENGLISH

خطوة تاريخية.. لماذا تجاوزت ألمانيا المبادئ القديمة لإنقاذ منطقة اليورو

خطوة تاريخية.. لماذا تجاوزت ألمانيا المبادئ القديمة لإنقاذ منطقة اليورو

مباشر- أحمد شوقي: "إشارة سياسية قوية" و "خطوة كبيرة إلى الأمام" ولحظة "تاريخية"، هذه ليست سوى بعض ردود الفعل على أحدث خطة من فرنسا وألمانيا لإنشاء صندوق التعافي الأوروبي من تداعيات فيروس كورونا.

ولطالما انتظرت حكومات منطقة اليورو رسم مسار الخروج من أزمة الوباء، حتى أعلنت فرنسا وألمانيا الرغبة أخيراً في قيادة اقتراح يمثل طريق التعافي.

وكما قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تعليقاً على الاقتراح: "عندما تتخذ ألمانيا وفرنسا المبادرة، فهذا يشجع عملية إبداء الرأي عبر الاتحاد الأوروبي"، في الوقت الذي أشار فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى أنها "مرحلة مهمة" في تاريخ القروض الأوروبية.

ولم تكن الحزمة المعلنة بالفعل التي أقرتها منطقة اليورو بقيمة 540 مليار يورو كافية لإنقاذ الاقتصاد الأوروبي من الركود المتغلل فيه بالفعل جراء تداعيات فيروس كورونا.

مبدئياً، يعني الاقتراح تكليف المفوضية الأوروبية، بجمع 500 مليار يورو (545 مليار دولار) من الأسواق العامة على أن تستخدم هذه الأموال بعد ذلك كمنح للقطاعات والمناطق في الاتحاد الأوروبي حيث كان تأثير الفيروس أكثر وضوحًا.

وسيتم تخصيص هذه الأموال من خلال الموازنة الأوروبية - سلة مشتركة تتلقى مساهمات من جميع الدول الأعضاء الـ 27 والتي تمول المشاريع عبر المنطقة.

المفوضية الأوروبية ترحب بالاقتراح، أشاد الذراع التنفيذي للاتحاد الأوروبي على لسان رئيسته "أورسولا فون دير لين" بخطة فرنسا وألمانيا، مشيراً على أنه اقتراح بناء ويعترف بحجم ونطاق الأزمة الاقتصادية التي تواجهها أوروبا.

أضافت: "هذا يسير في اتجاه الاقتراح الذي تعمل عليه المفوضية والذي سيأخذ في الاعتبار أيضا آراء جميع الدول الأعضاء والبرلمان الأوروبي".

لماذا يعتبر هذا الاقتراح خطوة مهمة وتاريخية؟ بعد شهرين من التردد، يمثل هذا الاتفاق أول خطوة حاسمة، من قبل الاتحاد الأوروبي وفرصة ثانية لمواجهة الأزمة.

وقالت "فون دير لين" إن الموقف المشترك بين فرنسا وألمانيا مهم لأنه سيضغط على الدول الأعضاء الأكثر تردداً في الاتحاد الأوروبي للمساهمة بالأموال الإضافية اللازمة لتوفير تكاليف الخطة.

كما تنبع أهمية الخطة من أنها جاءت بعد خلافات عدة في ظل الأزمة الاقتصادية الحالية، حيث لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن خطة بقيمة تريليوني يورو طرحتها المفوضية الأوروبية في الشهر الماضي ستشهد أن يقترض الاتحاد الأوروبي 320 مليار يورو من أسواق رأس المال.

كما دفعت الأزمة العديد من الدول الأوروبية بما في ذلك إيطاليا وإسبانيا وفرنسا إلى التفكير فيما يسمى "سندات كورونا" - وهي أداة مالية تجمع بين الديون الوطنية المختلفة وستباع كسندات واحدة في الأسواق العامة.

وعارضت دول مثل هولندا والنمسا وألمانيا هذا الاقتراح بشدة، وجادلوا بأن ربط أموالهم بالدول ذات الديون العامة المرتفعة للغاية سيكون محفوفًا بالمخاطر بالنسبة لدافعي الضرائب وأن الخطة كانت ضد المعاهدات الأوروبية.

وتم استخدام هذه الحجة من قبل، لا سيما في أعقاب أزمة الديون السيادية في المنطقة في عام 2011، في ذلك الوقت، كانت بعض البلدان معرضة لخطر الإفلاس وكانت الدول الأوروبية الأخرى مترددة في تحمل الكثير من المخاطر لمساعدتها.

لهذا كانت المستشارة الألمانية حريصة على الإشارة إلى أن الـ 500 مليار يورو ستكون ديونًا تجمعها المفوضية وتنفق من خلال موازنة الاتحاد الأوروبي بالطريقة العادية.

لذا يعتبر تحول الألمان عن موقفهم المحافظ والذي كان يرفض تقاسم أضرار الوباء خطوة تاريخية جديرة بالملاحظة.

وقال محللون في شركة "أوراسيا" للأبحاث خلال مذكرة نقلتها شبكة "سي.إن.بي.سي" الأمريكية: "إن الخطة بمثابة خطوة تاريخية من جانب ألمانيا بعيدًا عن معارضتها طويلة الأمد للديون المتبادلة لتمويل الدول الأعضاء الأخرى في الاتحاد الأوروبي".

ومن جانبه، أشار "فرديناندو جيوليانو" عبر تحليل لوكالة "بلومبرج" إلى أنه إذا قبل الاتحاد الأوروبي هذه الخطة دون تخفيفها كثيرًا، فسيكون للمقترح آثار كبيرة على المدى الطويل.

وأضاف: "على الرغم من أنه صندوق مؤقت فيمكن أن تكون بذرة موازنة أكبر للاتحاد الأوروبي، لا تستند فقط إلى المساهمات الفردية من الدول الأعضاء ولكن أيضًا على الضرائب الجديدة على مستوى الاتحاد، إذا حدث ذلك، فإن منطقة اليورو ستقترب إلى حد ما من الاتحاد المالي، وهو أمر ضروري لوضعه على أرضية أكثر صلابة".

لماذا يعد الاقتراح إشارة سياسية قوية؟  من المحتمل أن يكون للخطة الفرنسية الألمانية آثار سياسية واسعة، بما في ذلك على الشعبوية.

أثار وباء كورونا الخلاف السياسي في أوروبا، حيث ألقت الدول الجنوبية الأكثر تضررا باللوم على دول الشمال الأكثر ثراء لعدم قيامها بما يكفي لمساعدتها.

كان هذا هو الحال في إيطاليا، على سبيل المثال، حيث جادلت الحكومة بأن دولًا مثل ألمانيا بحاجة إلى فعل المزيد.

وعزز هذا الانقسام السياسي الخطاب المناهض للاتحاد الأوروبي في دول الجنوب حيث شهدت إيطاليا دعمًا متزايدًا للأطراف المناهضة للكتلة في ظل الوباء.

وقال "هولغر شميدينج" كبير الاقتصاديين الأوروبيين في "بيرنبرج" إن إنشاء صندوق التعافي الاقتصادي والاتفاق عليه نهائيًا، سيساعد على تبديد هذا الانطباع وبالتالي تقليل المخاطر من أن إيطاليا الساخطة قد تتحول إلى شكوك أكبر بشأن اليورو بمرور الوقت.

وأضاف: "بدافع من فرنسا، تتعامل ألمانيا مع المخاطر السياسية بجدية كافية".

ماذا ينتظر الاقتراح للخروج إلى النور؟ بالطبع لا تزال هناك الكثير من الأمور الذي يجب أن تحدث حتى يرى صندوق التعافي ضوء النهار.

حقيقة، سيحب أنصار تقاسم عبء الديون الفكرة ولكنهم لن يفضلون الحجم الصغير للصندوق وسيقلقون بشأن توقيت الإصدار حيث أنه من المقرر أن يبدأ فقط في عام 2021، بحسب ما يرى "بيرت كوليجن" و"كارستن برزيسكي" عبر موقع البنك الاستثماري "أي.إن.جي".

وأضافوا أن معارضي تقاسم العبء لن يفضلوا إصدار الدين المشترك، مع حقيقة أن الحافز يتم من خلال المنح وليس القروض وعلى الرغم من الطبيعة المؤقتة للصندوق.

لذلك، لا تزال هناك طرق كثيرة للعمل بها قبل أن يرى صندوق التعافي النور المحتمل، حيث من المقرر أن تقدم المفوضية الأوروبية خططًا أكثر تفصيلاً، بناءً على الفكرة الفرنسية والألمانية، الأسبوع المقبل.

من المتوقع أن ترفض بعض الدول الاقتراح وتحتاج إلى قرار بالإجماع من الدول الأعضاء، لذلك من الأفضل أن يؤخذ هذا الاقتراح كنقطة بداية وليس نهاية للمناقشات.

ويرى المستشار النمساوي "سيباستيان كورز" أن المساعدة يجب أن تقدم لمن يحتاجونها في شكل قروض لا منح، كما اقترحت فرنسا وألمانيا.

وقالت "آنا أندرادي" محللة أوروبا في وحدة "الإيكونوميست إنتليجنس" في تعليقات لشبكة "سي.إن.بي.سي" الأمريكية: "من غير الواضح كيف سيصمم الاتحاد الأوروبي ويضمن سداد الديون وما إذا كان الاقتراح يمكن أن يحظى بدعم من دول الاتحاد الأوروبي المتبقية".

جدير بالذكر، أنه يجب أن تتم الموافقة على أي صندوق انتعاش جديد بالإجماع من قبل دول الاتحاد الأوروبي الـ 27 وكذلك البرلمان الأوروبي، المؤسسة الوحيدة المنتخبة.

وفيما يتعلق بسداد الديون، أوضح "أندريد" أنه "في حالة عدم وجود موارد خاصة جديدة، مثل الضرائب الرقمية أو ضريبة الكربون الأوروبية، ستكون الدول الأعضاء مسؤولة عن تكاليف خدمة الديون، وهذا يعني أن الإعانة المالية الفعالة لهذه التحويلات يجب أن تقاس مقابل مساهمة دولة معينة في الصندوق".

في النهاية، يمثل الاقتراح خطوة كبيرة إلى الأمام بشأن صندوق التعافي في الأوقات التي يبدو فيها الانتعاش غير المتكافئ محتملًا والدور المحتمل للبنك المركزي الأوروبي في مرحلة التعافي غير مؤكد، فمن المفهوم أن الاقتراح الفرنسي الألماني تلقى رد فعل إيجابي في الأسواق.