تواصل مجلة مباشر
TV مباشر
اتصل بنا اعلن معنا   ENGLISH

فنزويلا وأزمة الديون.. لماذا لا يدفع الدائنون الثمن أيضاً؟

فنزويلا وأزمة الديون.. لماذا لا يدفع الدائنون الثمن أيضاً؟

تحرير: سالي إسماعيل

مباشر: تعتبر فنزويلا على رأس قائمة الدول المليئة بالمشاكل الاقتصادية، لكن تخلف البلاد عن سداد ديونها مرة تلو الأخرى يثير تساؤلات حول مصير الدائنين.

ومن المرجح أن تتعثر فنزويلا في أواخر شهر أكتوبر/تشرين الأول الجاري عن سداد مدفوعات بقيمة 913 مليون دولار مقابل نوع رئيسي من السندات.

ونظراً لأن البلاد قد تخلفت بالفعل عن سداد غالبية ديونها، فيمكن للبعض أن يعتقد أن حدوث إخفاق آخر في الديون ليس بالأمر الهام، وفقاً لرؤية تحليلية نشرها موقع "بروجيكيت سينديكيت" لثلاثة من الكتاب وهم أستاذ القانون في جامعة ديوك "ميتو جولاتي" وأستاذ الاقتصاد الدولي "أغو بانيتسا" وأستاذ القانون في جامعة كارولينا الشمالية في تشابل هيل "مارك ويديماير".

لكن هذا السند، والذي أصدرته شركة النفط الحكومية "بيتروليوس دي فنزويلا إس.إيه"، المعروفة اختصاراً بـ"بي.دي.في.إس.إيه"، ويشار إليه بـ"بي.دي.في.إس.إيه 2020"، مدعوم بضمانة مغرية: حصة مسيطرة في شركة أساسية بالنسبة لاقتصاد فنزويلا وهي شركة التكرير "سيتغو" والتي تتخذ من الولايات المتحدة مقراً لها.

وفي العادة، يمكن لأصحاب السندات الذين لم يحصلوا على أموالهم أن يقوموا بإبلاغ وكيل السندات لمصادرة الضمان، لكن نظراً إلى مصدرها المشكوك فيه، فإن "بي.دي.في.إس.إيه 2020" ليس بمثابة سند عادي.

وتم إصدار هذا السند في عام 2016، عندما كانت "بي.دي.في.إس.إيه" قريبة من الدخول في مرحلة التعثر عن سداد الديون.

ومن أجل كسب المزيد من الوقت، قامت الشركة باستبدال سندات قصيرة الآجل مع أخرى طويلة الآجل.

وفي المقابل، حصل الدائنون على ضمانة في هيئة حصة بنحو 50.1 بالمائة في الشركة الأم لـ"ستيغو".

وكانت هذه الصفقة غير عادية من ناحية واحدة على الأقل، حيث أن الدستور الفنزويلي يتطلب من الجمعية الوطنية في البلاد المصادقة على عقود المصلحة الوطنية.

لكن الهيئة التشريعية التي تسيطر عليها المعارضة لم توافق على إصدار هذا السند، والذي ينظر إليه بدون شك على أنه محاولة من جانب حكومة الرئيس نيكولاس مادورو لكسب مزيد من الوقت لصالحها.

ولا يزال يحتفظ مادورو بالسلطة لكن الولايات المتحدة وحكومات أخرى تعتبر حكمه غير شرعي.

وبدلاً من ذلك، يمثل خوان غايدو رئيس الحكومة المعارض الذي يعيش في المنفى - زعيم الجمعية الوطنية - فنزويلا في المحاكم الأمريكية وأماكن أخرى.

وخوفاً من الخسارة المحتملة لشركة "ستيغو"، فإن غايدو وفريقه وافقوا على مدفوعات أقل لسند "بي.دي.في.إس.إيه 2020" المصدر في أبريل/نيسان هذا العام.

لكن لدينا شكوك تتعلق بقدرة فنزويلا على تحمل سداد الدفعة القادمة، والأهم من ذلك أن هناك شكوكاً حول ما إذا كان يفترض أن يتحمل الشعب الفنزويلي مسؤولية الوفاء بعقد الديون الذي لم يوافق عليه ممثلوه من أعضاء الجمعية الوطنية المنتخبون.

وتدرك غالبية الأنظمة القانونية عدم وجود مساواة بين كافة العقود، فعلى سبيل المثال، طبقاً لقانون الوكالة الأساسي في الولايات المتحدة، لا يمكن للدائنين تنفيذ عقد الديون المبرمة عبر وكيل للشركة والذي كان الدائن يعرف أنه غير مخول له إجراء مثل هذه الصفقة.

وبالنظر إلى أن إصدار سند "بي.دي.في.إس.إيه 2020" لم يحظى بالمصادقة من قبل الجمعية الوطنية، فربما تمتلك فنزويلا أدوات الدفاع القانونية إذا حاول الدائنون السيطرة على شركة "ستيغو".

وعارضت حكومات أخرى مطالب الدائنين في مواقف مشابهة، وأبرزها معارضة بورتوريكو الديون المصدرة في عامي 2012 و2014، والتي يمكن القول بأنها انتهكت الحد الدستوري للديون.

وقامت الدول السيادية مثل أوكرانيا وموزمبيق بتقديم مبررات مماثلة مؤخراً، كما أن هناك عدداً من الحالات القديمة التي تشمل ديون محلية.

وأثارت هذه النزاعات تساؤلات ذات أهمية فنية ونظرية.

ومن الناحية الفنية، قد يتعين على المحكمة أن تقرر عما إذا كان القانون الفنزويلي هو الذي يحدد سلطة حكومة مادورو لإصدار سند "بي.دي.في.إس.إيه 2020" أو أنه بدلاً من ذلك سيخضع لقانون نيويورك (والذي تختاره نشرة إصدار السند لتحكيم غالبية القضايا).

وحتى إذا كان القانون الفنزويلي يحدد ما إذا كانت حكومة مادورو تمتلك الصلاحيات التي تمكنها في الواقع لتحمل هذا الدين، فقد يحكم قانون نيويورك قضايا أخرى هامة مثل ما إذا كان يحق للمستثمرين الاعتماد على توضيحات الحكومة بشأن قانونية السند.

وعلى نطاق أوسع، تتطلب نزاعات كهذه من المحاكم تحديد ما إذا كان ينبغي على الدائنين تكبد خطر إلغاء الديون غير المخولة.

للوهلة الأولى، يبدو من الغريب فرض مثل هذا الخطر على الدائنين، حيث أنه في النهاية فإن المسؤولين في فنزويلا في موقف جيد يسمح لهم بفهم المتطلبات القانونية لبلادهم والامتثال لها.

وإذا قال هؤلاء المسؤولين أن إصدار السند كان أمراً مشروعاً، فلماذا يجب إذن على الدائنين الأجانب التشكيك في هذه المسألة؟.

لكن كما أشار "ريكاردو هاوسمان" مؤخراً، فإن هذا الرأي يتجاهل مشاكل الوكالة المصاحبة للديون الحكومية: من المفترض أن يمثل المسؤولون الحكوميون الشعب إلا أنه في بعض الأحيان يحركهم المصلحة الشخصية.

وتتفاقم المشكلة بشكل خاص داخل الحكومات الاستبدادية، فبالرغم من أن المجتمع الدولي كان لا يزال معترفاً بحكومة مادورو في وقت إصدار شركة "بي.دي.في.إس.إيه" للسندات، إلا أنه كان لديه شكوك عميقة في شرعية تلك الحكومة.

وكان دائنو فنزويلا يعلمون ذلك في عام 2016 تماماً كما يعرفون أن الجمعية الوطنية لم تقر بالمصادقة على هذا السند.

وعلاوة على ذلك، فإن الدائنين في الغالب يتمتعون بالحنكة، ومن المؤكد أن البنوك الاستثمارية الضامنة للسندات المضمونة المعقدة مثل "بي.دي.في.إس.إيه 2020"، قادرة على إصدار أحكام مبنية على أساس معلوماتي بشأن ما إذا كان القرض يتوافق مع المتطلبات القانونية من عدمه، وفي تلك الحالة، يجب عليهم تحمل نتيجة الفشل في إتباع الحرص اللازم.

وكان هؤلاء الدائنون، وليس الشعب الفنزويلي، في وضع يسمح لهم بعرقلة الصفقة، لكن ما يحدث الآن هو أن الفنزويليين العاديين يخاطرون بخسارة واحدة من أصولهم الوطنية الحيوية.

وفي التحليل النهائي، ربما يكون فرض بعض المخاطر على الدائنين المتهورين هو أفضل طريقة لضمان احترام السياسيين للقيود المفروض على سلطة الاقتراض الخاصة بهم.

وربما يجادل البعض بأن هذا النهج يمكن أن يضر المستثمرين الأفراد الذين قاموا بشراء السندات في السوق الثانوي بنية حسنة.

لكن من غير المرجح أن يكون هذا هو الحال بالنسبة لسند "بي.دي.في.إس.إيه 2020"، وذلك لأنه حتى مستثمري التجزئة الذين لديهم معلومات محدودة كان من المفترض أن يكونوا على دراية بالطبيعة السيئة للنظام الذي أصدر السند.

وفي أيّ حال، يمكن معالجة هذا الاعتراض من خلال إنشاء سجل عام لجميع السندات السيادية وشبه السيادية المصدرة سواء بشكل قانوني أو بعيوب أخلاقية.

ومن المقرر أن يتضح أكثر في غضون الأسابيع المقبلة الإجابة عن تساؤل كيف ستنتهي دراما الديون الأخيرة في فنزويلا؟

لكن بدلاً من أن تكون مجرد قصة أخرى للتخلف عن السداد، ربما يصبح سند "بي.دي.في.إس.إيه 2020" حكاية تحذيرية للدائنين في جميع أنحاء العالم.