تواصل مجلة مباشر
TV مباشر
اتصل بنا اعلن معنا   ENGLISH

تحليل.. "التعويم القذر" للعملة في الأسواق الناشئة

تحليل.. "التعويم القذر" للعملة في الأسواق الناشئة

تحرير: سالي إسماعيل

مباشر: أن تقول شيئاً ثم تفعل شيئاً آخر، هذه المقولة تلخص الكثير فيما يتعلق بالعقيدة الحالية في الاقتصاديات الناشئة بالنظر إلى طرق إدارة سعر الصرف.

ومن المفترض أن تستخدم الدول معدل الفائدة لتحقيق هدف التضخم والسماح لسعر الصرف بالتحرك بحرية، بحسب رؤية تحليلية كتبها المرشح الرئاسي السابق ووزير المالية السابق في تشيلي "أندريس فيلاسكو" ونقلها موقع "بروجيكيت سينديكيت".

ولكن من الناحية العملية فإن البنوك المركزية في آسيا وأمريكا اللاتينية تتدخل في كثير من الأحيان بأسواق العملة عبر شراء وبيع الاحتياطات الدولية كما تستخدم مجموعة من التدابير الأخرى للحد من تقلبات عملاتها وهو ما يعرف بـ"التعويم القذر".

والتعويم القذر هو التعويم المدار لسعر الصرف؛ وهو يعني تدخل البنوك المركزية في التأثير على قيمة العملة في سوق الصرف وعدم تركها فقط للطلب والعرض.

وسيكون من الصعب الحفاظ على سعر الصرف الخادع هذا بعد خطاب تاريخي ألقاه المدير العام لبنك التسويات الدولي "أغوستين كارستنز" في كلية السياسة العامة بجامعة لندن للاقتصاد.

ويقول "كارستنز" إنه في الماضي كان بنك التسويات الدولي يعتبر بمثابة معقلاً لهذه العقيدة لكنه الآن يطالب بضرورة تحديثها، ولا بد للأسواق أن تُعير اهتمامها لمثل تلك المسألة.

ويمكن اعتبار وجود مستهدف للتضخم بمثابة إنجازاً هاماً، حيث ساعد ذلك الأمر في خفض معدلات التضخم في معظم الأسواق الناشئة، كما ساهم أيضاً في تقليص ما يسميه الاقتصاديون سعر الصرف العابر، أو الأثر الفوري لخفض سعر الصرف على التضخم محلياً.

لكن هذا لا يعني أنه عند مواجهة تدفقات رأسمالية هائلة فإن الأسواق الناشئة يجب أن تقف في موضع المتفرج وتنتهج "الإهمال الحميد" فيما يخص سعر الصرف، كما تشير العقيدة السائدة.

وتشرح حقيقة رئيسية الفجوة بين الجانبين النظري والعملي، حيث يتم تشديد الأوضاع المالية في الاقتصاديات الناشئة عندما تنخفض قيمة عملاتهم والعكس صحيح.

لكن لم يكن من المفترض أن يحدث هذا الأمر بمثل هذه الطريقة، حيث إن السماح بالتداول الحر لعملات الدول الناشئة كان من المفترض أن يسمح للدول بالسيطرة على معدلات الفائدة المحلية التي قد يمكن تعديلها عند الضرورة لتخفيف التقلبات الاقتصادية المحلية.

ومع الأسف؛ فإنه تبين أن الواقع أصبح أكثر إثارة للقلق.

وهناك مشكلة واحدة مفهومة جيداً: غالباً لم يكن هناك خيار أمام الحكومات والبنوك والشركات سوى الاقتراض من الخارج بالدولار بسبب التاريخ المالي المتقلب للاقتصاديات الناشئة.

وعندما ينخفض سعر الصرف فإن قيمة هذه القروض ترتفع بالعملة المحلية، وفي سيناريو معتدل يمكن أن يؤدي هذا الأمر إلى تباطؤ الإقراض المحلي والاستثمار والنمو، أما في الحالات القصوى يمكن أن يتسبب في التعثر عن السداد والإفلاس وأزمة مالية.

وتعتبر هذه الآثار العكسية أحد الأسباب التي تجعل البنوك المركزية في الأسواق الناشئة تتأثر بشدة جراء التحركات الحادة في سعر الصرف.

والخبر الجيد هو أن الأسواق الناشئة حالياً أصبحت قادرة على الاقتراض بعملاتها الخاصة، ويمتلك اليوم المستثمرون الأجانب محافظ استثمارية كبيرة من سندات بالعملة المحلية في كولومبيا والمكسيك وجنوب أفريقيا وتركيا من بين دول أخرى.

أما الخبر السيئ فهو أن الاقتصاديين في بنك التسويات الدولي يجادلون بأن الاقتراض بالعملة المحلية يساعد لكنه ليس الحل الأمثل.

وتظهر أبحاث هؤلاء الاقتصاديين أن سعر الصرف المنخفض بشكل حاد يرتبط باتساع الفوارق بين معدلات الفائدة على الديون السيادية، فعندما يتراجع سعر البيزو أو الراند أو الليرة فإن معدلات الفائدة المحلية طويلة الآجل ترتفع، وهذا بالتأكيد ليس ما قد تتوقعه الحكمة التقليدية بشأن آليات عمل السياسة النقدية.

ويكمن السبب وراء هذا السلوك المتناقض في أن المستثمرين العالميين ملتزمون بقواعد القيمة العرضة للخطر كما يهتمون بالعوائد الدولارية.

وعندما يعاني هؤلاء من خسائر في سعر الصرف؛ فإنهم يقيدون القروض الممنوحة لهذه الدولة بشكل تلقائي؛ ما يتسبب في هبوط إضافي بسعر الصرف إلى جانب زيادة معدلات الفائدة المحلية.

ويتوصل بنك التسويات الدولي إلى أنه عندما تتسبب التغييرات في السياسة النقدية بالاقتصاديات المتقدمة أو التحولات في شهية المستثمرين في تدفقات رأسمالية خارجة هائلة؛ فإن سعر الصرف قد يتصرف مثل أداة للإرسال والتضخيم للصدمات المالية بدلاً من امتصاص الصدمات الحقيقية.

وتُعد هذه المسألة بمثابة إشكالية كبرى بالنسبة للبنوك المركزية التي تقلق بشأن الاستقرار المالي.

لكن حتى بالنسبة للبنوك المركزية التي تزعم أنها تُولي اهتمامها حيال التضخم وليس شيئاً آخر؛ فإن تقلبات سعر الصرف تُشكل معضلة.

ويضع صعود قيمة العملة ضغوطاً في الاتجاه الهبوطي على معدل التضخم لكنه كذلك يخفف الشروط المالية المحلية.

ومع تراكم الديون والمخاطرة؛ فإنه يتم تهيئة الوضع لحدوث خفض حاد في قيمة العملة وضغوط سعرية في الاتجاه الصاعد في المستقبل.

ماذا نفعل؟

ما الذي يجب على محافظي البنوك المركزية فعله حيال مقايضة التضخم اليوم مقابل حدوث التضخم غداً؟ أحد الاحتمالات هو تضمين سعر الصرف بين العوامل التي تؤخد في الاعتبار عند تحديد معدلات الفائدة.

ويمكن أن يتحقق هذا الأمر من خلال قاعدة تايلور المعدلة، التي تم تسميتها اقتباساً من اسم الاقتصادي بجامعة ستانفورد جون تايلور، التي أضافت أنحراف سعر الصرف من مستوى مستهدف إلى الأهداف القياسية للتضخم وفجوة الناتج المحلي الإجمالي.

وبالفعل تقوم العديد من البنوك المركزية في الأسواق الناشئة بتنفيذ هذا الوضع، فبعد خفض قيمة العملة يقومون في الغالب بتشديد السياسة النقدية في مسعى لاحتواء ما يسمى بتأثيرات الجولة الثانية (حيث يؤدي سعر الصرف الأضعف إلى إخفاق التوقعات وسلوك تحديد الأجور).

وتكمن المشكلة في أنه عندما يصاب المستثمرون بالذعر ويصبح سعر الصرف غير متوازن؛ فإنه قد لا يكون هناك معدلات فائدة مرتفعة بدرجة كافية لتهدئة الأمور.

والأسوأ من ذلك، أن معدل الفائدة المرتفع للغاية الذي يؤدي لتراجع النشاط الاقتصادي ويتسبب في تراكم الديون قصيرة الآجل للبنك المركزي قد يقلل من المصداقية بدلاً من تعزيزها.

وبمشاهدة الأرجنتين اليوم: تعهد البنك المركزي بإبقاء المعروض النقدي ثابتاً (وهو يوفي بتعهده) كما أن معدلات الفائدة قصيرة الآجل تقف عند 70 بالمئة فضلاً عن أن الحكومة تعمل على خفض العجز المالي، لكن معدل التضخم يواصل الصعود (بالقرب من 55 بالمئة خلال الاثني عشرة شهراً الماضية) كما أن البيزو لا يزال تحت الضغط.

والبديل هو "التدخل المعقم" في سوف سعر الصرف كما تفعل العديد من الدول الآسيوية بصورة روتينية فضلاً عن أن الأرجنتين على وشك القيام بذلك رغم التعهدات السابقة بالنقيض من ذلك.

والتدخل المعقم في سعر الصرف هو تدخل البنك المركزي في السوق بدون التأثير على القاعدة النقدية (شراء أو بيع عملات أجنبية ثم استخدام هذه الحصيلة في شراء أصول أخرى)

ويسمح التدخل في سعر الصرف الذي يتخذ اتجاهاً صاعداً للبنك المركزي بمراكمة احتياطاته الدولية التي تعتبر سياسة تحوطية مرغوبة.

أما خلال فترة سعر الصرف الهابط، عندما يسحب المستثمرون العالميون أموالهم؛ فإن التدخل في سوق الصرف عبر بيع الاحتياطات يمكن أن يكون أداة لاستقرار الوضع كونه يوفر السيولة الدولارية التي يحتاجها الاقتصاد المحلي بشدة.

وسيزعم المتشككون بأن التدخل المعقم في سعر الصرف ليس من المفترض أن يكون له أية آثار، لكنهم مخطئون، كما يقول باحثو بنك التسويات الدولي.

وذكر كارستنز أن عملهم يوضح أن الشراء المعقم العملات الأجنبية في اقتصاديات الأسواق الناشئة ذو تأثير إحصائي واقتصادي كبير في خفض أسعار الصرف على الأقل بشكل مؤقت.

هل يجب أن يحرك هذا التدخل حرية التصرف أم قواعد محددة؟ وإذا كان الاختيار هو الأخير فهل يمكن للقواعد أن تكون مرنة بما يكفي لتجنب إنشاء سعر صرف شبه ثابت مقابل ما ستراهن عليه حتماً الأسواق؟ ومثل هذه التساؤلات والكثير غيرها لا يزال بحاجة إلى إجابة.