أوروبا تخشى تكرار أزمة "العقد الضائع" في اليابان

أوروبا تخشى تكرار  أزمة "العقد الضائع" في اليابان

تحرير: سالي إسماعيل

مباشر: يُعيد النمو الاقتصادي المتباطأ والخلل السياسي في أوروبا فكرة إجراء مقارنات مع "العقد المفقود" في اليابان والذي بدأ في منتصف التسعينيات.

ويوضح تحليلاً للكاتبة الاقتصادية كارولين لوك نشرته وكالة "بلومبرج" الأمريكية أن أوروبا لم تصل لهذه المرحلة بعد.

ويبدو أن موجة البؤس داخل المنطقة هذا العام، مثل الركود الصناعي بألمانيا والمعاناة لمعالجة القطاع المصرفي، وعدم قدرة إيطاليا على الإصلاح، والهزيمة الواضحة لمحافظي البنوك المركزي الذين يسعون لتخليص منطقة اليورو من البرامج التحفيزية، قد تجعل الشعور بالانزعاج الدائم أمر حتمي.

ويتشابه اقتصاد منطقة اليورو من عدة أوجه مع نظيره الآسيوي قبل نحو عقدين من الزمن: معدلات الفائدة عند أو دون الصفر، وزيادة الديون والقروض المتعثرة، فضلاً عن تحول التعداد السكاني من مجتمع يشهد ارتفاع أعمار السكان إلى أخر في سن الشيخوخة.

ويصر الاقتصاديون على أن هناك حدود للمقارنة، رغم الاعتراف بأن فترة طويلة من الركود الأوروبي والانكماش وضعف البنك المركزي تظل تُشكل تهديداً.

ويقول رئيس معهد بيترسون للاقتصاد الدولي "آدم بوسن"، والذي يشمل مجال خبراته كل من اليابان وألمانيا: "أنا قلق للغاية بشأن ذلك".

ويضيف أن تحول أوروبا للنموذج الياباني يعد بمثابة خطر حقيقي.

ويطلق على هذه العميلة اسم "Japanification"، وهي تشير إلى أن اقتصاد ما يمكنه أن يشهد فترة طويلة من التوسع الاقتصادي بوتيرة نمو منخفضة بالتزامن مع مستويات منخفضة من معدل التضخم، وكنتيجة لذلك تميل معدلات الفائدة للبقاء عند مستوى متدني.

ونتج ما يسمى بعقد اليابان المفقود من خلال انفجار فقاعة في الأسهم وفي العقارات، ما دفع اقتصاد البلاد للدخول في مرحلة من النمو الضعيف أو عدم نمو على الإطلاق، مع تزايد معدل البطالة إلى جانب معدلات الفائدة الآخذة في الهبوط.

ونستعرض هنا بعض الطرق التي تسير بها أوروبا في هذا الاتجاه وبعض الطرق الأخرى لا تسير فيها.

تناقص القوى العاملة

تراجع عدد السكان في سن العمل في منطقة اليورو حيث يعيش الأشخاص فترة أطول ويقومون بإنجاب عدد أقل من الأطفال.

ومن المقرر أن يصل عدد السكان بشكل عام لقمة في عام 2045، طبقاً لتوقعات مكتب إحصاءات "يوروستيت"، وبالتالي فإن منطقة اليورو تسير في طريقها للحاق باليابان.

وفي اليابان، فإن عدد السكان تراجع خلال آخر 7 سنوات، مع وجود واحد من بين كل 3 أشخاص حالياً في سن الـ60 عاماً أو أكبر.

وفي كثير من الأحيان، يعتقد بأن الشيخوخة السكانية تعمل على إضعاف الضغوط التضخمية، حيث أن الأشخاص يقومون بالإدخار من أجل التقاعد وينفقون أقل.

وتسبب تراجع عدد السكان في اليابان في جلب المزيد من النساء وكبار السن للعمل كما دفع معدل البطالة بشكل عام إلى 2.3%، ليكون بالقرب من أدنى مستوياته في أكثر من عقدين.

ومع ذلك، فإن نمو الأجور كان محدودا وغير كافياً لإثارة التضخم.

وعلى الجهة الأخرى، فإن معدل البطالة في منطقة اليورو لا يزال أعلى من مستواه المنخفض في فترة ما قبل الأزمة، ولكن أجور العاملين بدأت في التحسن، وهي الإشارة التي يستشهد بها مسؤولي البنك المركزي الأوروبي كثيراً كدليل على أن وتيرة زيادة الأسعار سوف تتسارع.

السياسة النقدية

قام بنك اليابان بمحاربة انكماش الأسعار في غالبية العقدين الماضيين، كما مر المركزي الأوروبي بجزء من هذه المعاناة في عام 2009 وسط ركود اقتصادي وفي أعقاب أزمة الديون السيادية بمنطقة اليورو.

وفي الوقت الذي بدأت فيه مشاكل اليابان في الظهور فجأة في بداية التسعينيات، فإن منطقة اليورو دخلت بشكل تدريجي في مرحلة من النمو الاقتصادي ومعدل التضخم الضعيف.

وكان بنك اليابان أول البنوك المركزية الكبرى التي تبنت تعديلات جذرية  في السياسة النقدية ومع ذلك لا يزال عالقاً في معدلات الفائدة السالبة وبرنامج شراء الأصول ويبحث مزيداً من التيسير.

وبالنسبة للبنك المركزي الأوروبي، فإن أمامه طريقاً طويلاً قبل تنفيذ زيادة معدلات الفائدة.

وفي حين أن المركزي الأوروبي قد لا يكون قادراً على تبني إجراءات مثل بنك اليابان حال تفاقم التباطؤ الاقتصادي، لكن البنك يمكنه أن يبقي على موقفه الحالي بشأن سياسة الفائدة لفترة من الزمن.

وبسبب رفض تنفيذ تيسير مناسب للسياسة النقدية سابقاً، فإن بنك اليابان خلق وضعاً تكون البلاد مضطرة خلاله على إبقاء معدلات فائدة قرب الصفر لمدة 20 عاماً، حسبما يرى أحد صناع السياسة النقدية بالمركزي الأوروبي سابقاً "أثاناسيوس أورفانيديس".

ويوضح أورفانيديس أنه بالنظر لهذا الوضع على هذا النحو، فإنه يصبح من المستحيل تماماً أن ينفذ المركزي الأوروبي زيادة بمعدلات الفائدة في عام 2020 أو 2021.

توقعات التضخم

وفي حين أن التضخم في منطقة اليورو قد تسارع لكنه لا يزال دون مستهدف المركزي الأوروبي والبالغ أقل قليلاً من 2% كما أن مؤشر أسعار المستهلكين الأساسي عالقاً قرب 1%.

ويرى المركزي الأوروبي أن المخاطرة التي تتوقعها الأسواق حتى مع معدل التضخم الأقل منخفضة للغاية.

كما أن المستثمرين أقل تفاؤلاً: حيث تراجع مؤشر يعتمد على أسعار المشتقات إلى 1.3% وهي أدنى قراءة منذ عام 2016 حينما كان المركزي الأوروبي يقوم بشراء أصول بمعدل 80 مليار يورو (90 مليار دولار) شهرياً.

الديون والعوائد

يبلغ معدل الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي في اليابان حالياً أعلى 230%، كما أنها آخذة في الزيادة مع تراكم العجز.

 في حين تفرض قواعد  الاتحاد الأوروبي حدوداً مالية ستعمل على الحد من مثل هذا التراكم في العجز.

بينما تبلغ معدل الديون إلى الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو 89% ومن المتوقع أن تتراجع ببطء، رغم أن الضعف الاقتصادي والحاجة للتحفيز المالي قد يُشكلان عائقاً أمام إحراز تقدماً في هذا الشأن.

ولا تزال عوائد السندات تكشف عن قصة مقلقة: تكاليف الاقتراض في ألمانيا تتقارب مع نظيرتها في اليابان.

ووفقاً لمدير الأموال في شركة باسيفيك لإدارة الاستثمارات "أندرو بوسومورث"، فإن اليابان ومنطقة اليورو غير مختلفين بدرجة كبيرة، لكن الأخيرة تسيرعلى نفس خطى طوكيو.

الهجرة

يعتبر سوق العمل في منطقة اليورو أكثر ديناميكية في ظل وجود كل من الهجرة الخارجية والداخلية، ما يجعل المقارنة بعيدة مع اليابان.

وبلغ صافي تدفقات المهاجرين قمة في عام 2015، حيث تزامن تعافي الاقتصاد الأوروبي مع عدم الاستقرار في شمال أفريقيا والشرق الأوسط.

وساعد ذلك في تخفيف التراجع في عدد السكان في سن العمل.

لكن مع ذلك، لقد أصبح الأوروبيون يقاومون الهجرة واسعة النطاق في الآونة الأخيرة.

ومن المتوقع أن تنخفض صافي التدفقات الوافدة إلى منطقة اليورو سنوياً في العقود المقبلة، طبقاً لتقديرات "يوروستيت".

بينما لدى اليابان التي يبلغ عدد سكانها 126 مليون نسمة حوالي 1.3 مليون عامل أجنبي فقط، كما تظل معارضة لسياسة الهجرة الرسمية.

ومن المرجح أن تقوم الحكومة بإصدار تصاريح إقامة مدتها 5 سنوات لما يصل إلى 345 ألف عامل من ذوي المهارات المنخفضة خلال الخمس سنوات القادمة.

ومن شأن ذلك أن يسد نحو 25% من العجز المتوقع في العمالة.