محمد العريان يحلل أسباب التحول التاريخي لسياسة الاحتياطي الفيدرالي

محمد العريان يحلل أسباب التحول التاريخي لسياسة الاحتياطي الفيدرالي

تحرير: نهى النحاس

مباشر: أكد بنك الاحتياطي الفيدرالي عبر اجتماعه الأخير تحوله نحو النهج المتشائم الملحوظ، وهو ما لا يمكن تبريره بالتوقعات لوضع الاقتصاد الأمريكي.

ويقول الاقتصادي المصري محمد العريان عبر مقال نشرته وكالة "بلومبرج أوبنيون" إن قرار الفيدرالي لتخفيض عمليات زيادة معدل الفائدة المتوقعة في العام الجاري إلى "صفر" قد تعكس مزيجاً من التخوفات بشأن البيئة الدولية وتقلب السوق المالي جنباً إلى جنب مع الرغبة في توفير التأمين للاقتصاد وتقليل الانتقادات من البيت الأبيض.

تحول كبير في السياسة النقدية

وسيكون للمزيج الدقيق أهمية كبيرة على المدى الطويل وذلك بالنظر إلى أن بنك الاحتياطي الفيدرالي اختار هذا الأسبوع التضحية بمرونة السياسة في 2019 لصالح منح المستثمرين المتفائلين ما يريدونه بالضبط.

وقبل 3 أشهر مضت كان بنك الاحتياطي الفيدرالي يشير إلى عدة عمليات زيادة لمعدل الفائدة في العام الجاري، أما في ختام يومين من الاجتماعات يوم الأربعاء فإن البنك توقع عدم رفع الفائدة على الإطلاق في 2019.

كما أعلن البنك ما قد يعتبره الكثيرون على أنه نهاية مبكرة غير عادية للتخلص من السيولة الاستثنائية، وعلاوة على ذلك فإن البنك قرر أن إنهاء عملية خفض الميزانية العمومية في سبتمبر.

ويعد ذلك بمثابة تغيير جذري أخر عن توجيهات سياسة المركزي الأمريكي في اجتماعه الأخير في ديسمبر الماضي حينما اقترح "مسار آلي" لا يتضمن تغييرات في وتيرة خفض الميزانية العمومية للبنك للوصول إلى نقطة توقف عند قيمة نهائية للميزانية أقل بكثير عما ستكون عليه في سبتمبر المقبل.

كيف تفاعلت الأسواق؟

كان تفاعل أسعار الأصول المالية يعكس وجهة النظر بأن الفيدرالي منح الأسواق ما يريده المستثمرين المتحمسين، رغم أن القليل منهم كان يعتقد بأن المركزي الأمريكي سيقدم هذه القرارات بهذه السرعة.

وبالفعل شهدت الأسواق في الفترة التي سبقت أسبوع اجتماع الفيدرالي تسعيراً للأصول عند توقعات بفرض سياسة نقدية تيسيرية، حيث أن الأسهم الأمريكية ارتفعت 12% منذ بداية العام الجاري، وتراجعت عوائد السندات، والتقلبات في أسواق السندات الأمريكية عند مستويات تاريخية متدنية.

وبعد الإعلان مباشرة عن قرار المركزي الأمريكي ارتفعت الأسهم أكثر ومحت خسائرها السابقة للقرار، وتراجع عائد سندات الخزانة الأمريكية لآجل 10 سنوات إلى 2.53%.

لماذا انتهج البنك تلك السياسة؟

وبالإضافة إلى رد الفعل الإيجابي السريع من جانب أسعار الأصول فإن الأسواق فعلت ما تقوم به دائماً وهو الضغط من أجل المزيد وذلك من خلال تسعير خفض سعر الفائدة في نهاية العام.

وتاريخياً، فإن التحول الدرامي في سياسة الفيدرالي مثلما حدث يوم الأربعاء كان من المحتمل أن يكون بدافع التدهور الكبير في الاقتصاد وتوقعاته أو بدافع الخلل الكبير في الأسواق المالية، خاصة بالنظر إلى مدى تضحية البنك المركزي بخيارات سياسته النقدية على المدى القصير.

ولكن يبدو أن هناك عامل أخرمؤثر حالياً، وفي الواقع فإن باول أبدى تعليقات إيجابية بشأن آفاق الاقتصاد الأمريكي، مكرراً عدة مرات أن الاقتصاد في وضع جيد وأن أساسيات النمو مواتية للغاية.

ولكن تعليقات باول سلطت الضوء على التناقضات المتأصلة التي يواجها بنك الاحتياطي الفيدرالي في عالم من مسارات النمو المتباينة للبلدان المتقدمة والرافعة المالية الضخمة غير المصرفية وكذلك ديون الشركات والأسر.

ويمكن أن تكون البيئة الدولية الأضعف أحد العوامل التي تستدعي وجود سياسة نقدية تيسيرية من جانب الفيدرالي حتى لو أن المركزي تاريخياً كان متردداً تجاه الاعتراف بحساسية السياسة النقدية تجاه تباطؤ الاقتصاديات خارج الولايات المتحدة.

وفي تصريحاته قال باول أنه لا يتوقع دخول الاقتصاد الأوروبي في ركود هذا العام.

وبالفعل فإن بعض نتائج أعمال شركات ظهرت في الأسبوع الجاري مثل "فيدكس" أشارت إلى تأثر أكبر جراء التباطؤ الاقتصادي الدولي مقارنة بما توقعته الشركات سابقاً.

كما أنه هناك 3 أسباب أخرى قد تكون لعبت دوراً في قرار المركزي الأمريكي بأن تكون لهجته تيسيرية بأكثر مما تبرره التوقعات الاقتصادية الأمريكية.

الأول، الخوف من عودة التقلبات التي كانت سائدة في الأسواق في الربع الرابع من العام الماضي والتي ربما تكون أثرت بشكل سلبي على النشاط الاقتصادي.

أما الثاني، فهو الرغبة في توفير تأمين كبير للأسواق ضد عدم اليقين المرتبط بالمفاوضات التجارية بين الصين والولايات المتحدة، فضلاً عن البريكست وعوامل أخرى بعيدة تماماً عن تأثير الفيدرالي.

والسبب الثالث يتمثل في الرغبة في خفض احتمالية تجدد الهجمات السياسية ضد سياساته المتعلقة بمعدل الفائدة.

ومن غير المحتمل أن نعرف بشكل مؤكد الأهمية النسبية لأي من هذه العوامل الثلاثة في قيادة الفيدرالي نحو تحوله التاريخي في السياسة النقدية.

ومع ذلك فإن هذه العوامل سيكون لها دور في تحديد ما إذا كان حكم مجلس الاحتياطي الفيدرالي سيصبح صحيحًا أو ما إذا كان قد أخطأ في أن يكون فضفاضًا جدًا وبشكل مبكر للغاية.