لماذا ترتفع أسعار المنازل في ألمانيا بشكل حاد مؤخراً؟

لماذا ترتفع أسعار المنازل في ألمانيا بشكل حاد مؤخراً؟

تحرير: سالي إسماعيل

مباشر: شهدت أسعار المنازل في المدن الكبرى بألمانيا زيادة في الآونة الأخيرة، ولكن هل يرجع ذلك إلى أن المعروض ينمو بوتيرة بطيئة للغاية غير قادرة على مواكبة الطلب الإضافي، أم أن هناك أمور أخرى؟.

 وفي كافة أنحاء أوروبا، فإن المستهلكين قلقون بشأن سوق الإسكان، حيث يوضح أحدث مسح أجرته مجموعة "آي.إن.جي" الدولية للمنازل والرهون العقارية في 13 دولة أوروبية أن 53% من المستهلكين يعتقدون أن بلادهم على المسار الخاطئ عندما يتعلق الأمر بالمنازل مقارنة مع 25% فقط يظنون أن بلادهم على المسار الصحيح.

وعلى صعيد سوق الإسكان، فإن أكبر اقتصاد أوروبي يضع نفسه بعيداً، حيث أن عمليات الإيجار في ألمانيا بدلاً من التملك تهيمن على السوق.

ويمكن أن تحتاج أسعار المنازل الآخذة في الزيادة إلى بعض الوقت كي تستفيد من سوق الإيجار، وبالتالي لا يشعر المستأجرين على الفور بأثر ارتفاع أسعار المنازل.

لكن عندما تستمر الأسعار في الارتفاع، فإن هؤلاء الذين قاموا بشراء منزل سوف يربحون في حين أن المستأجرين سوف يشاهدون قيمة الإيجارات ترتفع.

وتوصل المسح إلى أن المستأجرين الألمان وأصحاب المنازل ينظرون في جوانب عديدة بشأن المنازل من منظور متشابه.

كما أن التفضيلات عادةً هي نفسها لكن ربما تكون أكثر وضوحاً بدرجة طفيفة في مجموعة عن أخرى، والمستأجرين عادة أقل رضاءً عن حالة سوق الإسكان من أصحاب المنازل.

ولكن مع ذلك فإن غالبية أصحاب المنازل يعتقدون أن ألمانيا تسير على المسار الخطأ عندما يتعلق الأمر بالإسكان.

وبشكل إجمالي، فإن 59% من الألمان يعتقدون أن سوق الإسكان في بلادهم ليس على الطريق الصحيح، وهي ثالث أعلى قراءة بين 15 دولة شملها المسح وتمثل زيادة 9% مقارنة مع عام 2017.

ولم يكن سوق الإسكان في ألمانيا كما كان عليه من قبل، حيث أظهر مؤشر أسعار المنازل التابع لمكتب الإحصاءات الفيدرالي معدل النمو السنوي بلغ 5%، وهو ما قد لا يبدو كبيراً في البداية لكنه ليس شيء معتاد بالنسبة للألمان.

وفي غالبية العقد الأول من القرن الحالي، فإن متوسط الثلاث سنوات من هذا الرقم كان يحوم بين صفر و-1 مع الأخذ في الاعتبار أن هذا متوسط في المناطق الريفية ذات الكثافة السكانية المنخفضة، بينما شهدت المناطق الحضرية خاصةً المدن الكبرى مثل برلين وميونخ وهامبورغ وكولونيا قفزات كبيرة في أسعار المنازل على مدى السنوات القليلة الماضية لدرجة أن بنك بوندسبنك (المركزي الألماني) يرى أن الأمر يستدعي القلق.

هل الأشخاص مستعدون للدفع من أجل الانتقال إلى المدينة؟

وتؤكد كذلك البيانات الصادرة عن شركة "إنترهايب" أن ألمانيا أكبر وكيل مستقل للرهن العقاري.

وخلال الفترة بين عامي 2009 و2017، فإن أسعار المنازل عبر الرهون العقارية التي رتبتها الشركة ارتفعت تقريباً بوتيرة تصل إلى 75% في بعض المدن الكبرى.

ومن الصعب الحصول على أرض من أجل البناء عليها في مناطق مكتظة بالسكان، وهو الأمر الذي يقيد إمكانية توفير معروض من المنازل الجديدة.

وواجه المطورين العقاريين اتهامات بالقيام بتشييد وحدات سكنية فاخرة وباهظة الثمن بدلاً من بناء وحدات يمكن تحمل تكاليفها من قبل المزيد من الأشخاص أو أنهم توقفوا عن أعمال البناء تماماً على أمل ارتفاع أسعار الأراضي دون الكثير من العقبات.

 ويشعر العديد من الألمان بالقلق إزاء احتمالية أن تسير المدن الألمانية على نفس خطى العواصم الأوروبية مثل لندن وباريس من حيث تكاليف المعيشة.

وبحسب مسح "آي.إن.جي"، فإنه تم سؤال أصحاب المنازل والمستأجرين الألمان في المناطق الريفية والمدن الأصغر (كثافة سكانة تقل عن 100 ألف نسمة) إذا كان لديهم الاستعداد لدفع المزيد من أجل الانتقال إلى مدن أكبر.

وبمعنى آخر، إذا كان لديهم استعداد لدفع أكثر من قيمة منازلهم الحالية في مدينة أكبر أو دفع إيجار أعلى من الذي يدفعونه حالياً (مع افتراض أن كل شيء آخر بشأن وضع المنازل سيبقى كما هو).

وينظر إلى المدن الكبرى على أنها تكون جذابة بسبب الثقافة والمزايا الاقتصادية، ولقد حاول المسح وضع سعر محدد لهذه الجاذبية المفترضة.

وبالمثل، سأل الاستطلاع أولئك الذين يعيشون بالفعل في مدن أكبر إلى أي مدى يمكن أن تكون تكاليف الإسكان أقل بالنسبة لهم لدفعهم للانتقال إلى مدينة أصغر أو منطقة ريفية.

إدخار المال في الريف ليس خياراً

ومن المحتمل أن يكون عامل جذب المدن الأكبر إلى السكان الريفيين أمر مبالغ فيه قليلاً، حيث توصل المسح إلى أن أكثر من ثلاثة أرباع أصحاب المنازل والمستأجرين في المدن الصغيرة والمناطق الريفية إما لا يفكرون في الانتقال إلى مدينة أكبر أو حتى إذا فعلوا ذلك لن يكونوا راغبين في دفع أكثر من قيمة منازلهم الحالية، وينطبق الأمر نفسه على المستأجرين.

أما أولئك المستعدين لدفع ما يزيد عن 30% إضافية فكانت نسبتهم في المسح فقط حوالي 15%، وهو الأمر الذي لا يدعم فكرة أن العديد من سكان الريفية يرغبون بشدة في التحول إلى سكان مدينة والضغط على سوق الإسكان في المناطق الحضرية، لكن هل هناك قوى أخرى في الملعب؟.

ومن المنظور التقليدي للأسواق، فإنه من المفترض أن يستجيب الطلب إلى التغييرات في الأسعار، ما يعني أنه مع ارتفاع الأسعار في المدن فإن عدد أقل من الأشخاص قد يرغب في الانتقال إلى هناك وحتى أن الأشخاص قد يبدأون في الخروج من المدن إلى الضواحي والمناطق الريفية من أجل إدخار المال.

ومن شأن ذلك أن يمنع الطلب من الارتفاع والأسعار من الزيادة بشكل لا نهائي.

لكن إذا كان الطلب الحالي يفتقر إلى المرونة السعرية، بمعنى أنه لا يظهر استجابة كبيرة تجاه الأسعار الآخذة في التغير، فإن زيادة قليلة بالطلب يمكن أن يؤدي بسهولة إلى ارتفاع الأسعار.

سوق العقارات ليس جيداً مثل أيّ شيء آخر

ووجد المسح أن أكثر من نصف سكان المدن قد لا يفكرون في الانتقال إلى الريف أو قد يتوقعون أن يكون الإيجار الجديد في منازلهم بالضواحي أقل مما يدفعون في الوقت الحالي بنحو 50% على الأقل.

وبعد أن كانت النسبة التي ترى ذلك تبلغ 25% في البداية فإنها ارتفعت إلى حوالي 80% من سكان المدينة.

وعلى ما يبدو، فإن الأشخاص في المدن الأكبر إما غير مستعدين تماماً للرحيل أو أنهم يتوقعون الحصول على خصومات كبيرة كنوع من التحفيز.

ومن الظاهر أن هؤلاء السكان يقدورن المعيشة في المدينة كثيراً لدرجة أن الطلب على الإسكان لا يتأثر بدرجة كبيرة بالأموال التي قد يتم توفيرها جراء الانتقال.

ويوجد عيب أساسي في فكرة الراحلين الأوائل: أيّ شخص يغادر المدينة بسبب ارتفاع الأسعار يساعد في كبح زيادات إضافية بالأسعار ولكن من الواضح أنه لن يكون موجوداً للاستفادة هذه الميزة.

وبالتالي فإن الطلب الكبير من سكان الريف الراغبين في التحول للمدن ليس أساس المشكلة، وإنما الطلب غير المرن من جانب سكان المدن الحاليين يبدو أنه السبب الرئيسي.

ويبدو أن الأرقام تشير إلى أنه من بين المجموعة الفرعية التي أبلغت أنها تجد صعوبة أو صعوبة كبيرة في دفع الإيجار أو دفعة الرهن العقاري كل شهر، فإن الأفراد أقل ميولاً من المتوسط للخروج من المدينة من أجل إدخار المال.

وقد لا يبدو الأمر متوقعاً في البداية، حيث أن الشخص الذي يواجه مشكلة بالفعل في تكاليف الإسكان يجب أن يبحث عن فرص لإدخار المال، هكذا يفترض.

ولكن مرة أخرى، ربما كان عدم الرغبة في الاستجابة إلى ارتفاع الأسعار هو الذي جعل الألمان يقعون في المشكلة بالمقام الأول.