الأسواق العالمية ترفع شعار "التوقعات لا تُجدي نفعاً"

الأسواق العالمية ترفع شعار "التوقعات لا تُجدي نفعاً"

تحرير: نهى النحاس

مباشر: إذا كان هناك شيئاً واحداً خرج به المستثمرون والاقتصاديون من العام الماضي الذي اتسم بالجنون فإنهم لن يجدوا عبارة أفضل لتلخيص ذلك من تلك الشائعة في هوليود "لا أحد يعرف أي شئ".

ويوضح تحليل نشره موقع "بروجيكت ساينديكيت" أنه في صناعة الأفلام فإن أغنى الاستديوهات وأشهر المنتجين ينفقون أموالاً وأوقاتاً ضخمة على أبحاث الجمهور ولكن يظلوا بلا أدنى فكرة حول ما إذا كانت أحدث إبداعاتهم ستنجح أم لا، وهو نفس الوضع الآن في الأسواق المالية أو بالنسبة إلى أسعار السلع الأساسية وصنع السياسات وأداء الشركات.

لماذا نشعر بالدهشة إذا كانت أغنى شركة في العالم "آبل" اعترفت بعد الكريسماس أن ليس لديها أدنى فكرة حول عدد هواتف الآيفون ستبيعها في الصين، أو إذا كان أفضل متداولين في الطاقة يتنبئون أن نقص المعروض العالمي سيرفع سعر النفط إلى 100 دولار وذلك قبل وقت بسيط من حدوث وفرة في المعروض تسببت في هبوط السعر إلى مستوى 50 دولاراً للبرميل.

ولماذا نشعر بالمفاجأة أيضاً إذا كان الرئيس الأمريكي نفسه لا يعرف ما إذا كان يحب التجارة العالمية أو لا، أو حينما يتوقع سوق الأسهم نمو الاقتصاد العالمي، في حين يتوقع سوق السندات حدوث ركود وبعد ذلك ينقلب الوضع على نحو مفاجئ بالنسبة لتوقعات الاثنين.

وفي ذلك الوقت العام الماضي فإن كل التوقعات الاقتصادية كانت متفائلة على نحو عالمي، فكل منطقة في العالم كان يبدو وأنها سوف تسجل نموا قويا على نحو متزامن للمرة الأولى منذ الأزمة المالية العالمية.

كما أن قادة البنوك المركزية كانوا على ثقة من إمكانية البدء وبأمان في سحب التحفيزات النقدية غير العادية، كما أن مستثمري سوق الأسهم كان جميعهم متفائلين.

ولكن فجأة تحولت 2018 لتكون أسوأ عام بالنسبة للمستثمرين منذ الأزمة المالية العالمية، وأجبرت مسؤولي البنوك المركزية على البدء في سحب خططهم لتطبيع السياسة النقدية، كما أن الاقتصادين بدأوا في خفض توقعاتهم للنمو كما أن الكثير من الشركات بدأت في الاستعداد لركود في عامي 2019 و2020.

لكن ما الخطأ الذي حدث؟، البيانات الاقتصادية كانت أضعف قليلاً من التوقعات في النصف الثاني من 2018، البنك الدولي على سبيل المثال خفض تقديراته للنمو العالمي للعام الماضي و2019 بمقدار 0.1% فقط إلى 3% و2.9% على الترتيب منذ تقديراته في يونيو الماضي.

وكان السبب الرئيسي لهذه المخاوف هو سلوك الأسواق المالية، فالكثير من الاقتصاديين وجدوا أن الهبوط المتزامن وطويل الآجل في معدلات الفائدة وأسعار الأسهم في ديسمبر هما مؤشران على الركود.

وبناءً على ذلك فنحن أمام أمرين، إما أن المستثمرين يعرفون شيئاً مروعاً لم يتضح حتى في الإحصائيات، أو أن انخفاض ثقة السوق من المحتمل أن تصبح نبوءة تحقق نفسها عن طريق التسبب في خفض إنفاق الشركات والمستهلكين.

ولكن قبل استنتاج أن الأسواق المالية يمكن أن تتنبأ دائماً أو تشكل المستقبل، فإننا يجب أن نشير إلى أن التغيرات الاقتصادية والسياسية عادة ما تحرك توقعات السوق وليس العكس.

وبعيداً عن تقلبات السوق، ما هي الأحداث التي قد تسبب الركود أو تباطؤ حاد في النمو العالمي، والإجابة الشائعة ببساطة ستكون "مرور الوقت"، فالتوسع الاقتصادي العالمي بدأ في 2009 واستمر بالفعل طوال 10 سنوات تقريباً، وفي حالة أن الركود الأمريكي لم يحدث بحلول 2020 فإن الولايات المتحدة ستكون قد سجلت أطول توسع دون توقف في تاريخها على الإطلاق.

ولا يوجد أي شيء في النظرية الاقتصادية أو تاريخياُ يقول إن النمو الاقتصادي ينتهي بسبب استمراره لفترة طويلة أو أن الركود يحدث بدون أسباب، ولكن التوسع يصبح أكثر ضعفاً أمام العوامل السلبية مثل معدلات الفائدة المرتفعة وتسارع التضخم والأزمات المصرفية التي تحدث حينما تنهار أسعار المنازل المرتفعة بشكل مفاجئ.

وفي حالة عدم حدوث أي من تلك الحوادث الاقتصادية المؤسفة، فإن القادة السياسيين في النهاية يمكن أن يصبحوا فائقي الثقة بشكل مبالغ فيه، ما يؤدي إلى الحروب، أو النزاعات التجارية، أو سوء إدارة الميزانية.

والعديد من تلك المشاكل بدأ في الظهور في 2018 مثل ارتفاع معدل الفائدة الأمريكية، وتشديد السياسة المالية في إيطاليا والكثير من الدول الأوروبية، وتصعيد الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين، وأسعار الطاقة المرتفعة حول العالم، وعليه فإنه ليس من الغريب أن يتباطأ الاقتصاد العالمي في 2018 بدلاً من أن يتسارع مثلما كان الكثيرين يتوقعون.

ولكن الكثير من مسببات الركود في العام الماضي آخذة في التحول، فأسعار النفط تهبط، وعوائد السندات الأمريكية تعود إلى مستوياتها في بداية العام الماضي، والصراعات التجارية تبدو وكأنها تتلاشى، والصين تخفف سياستها الاقتصادية على الأقل إلى حد ما.

وكل تلك الأسباب السابقة هي السبب وراء صدمات الأسواق العام الماضي، فعل سبيل المثال فإن صدمة الحركة التصحيحية في الأسواق خلال يناير 2018 وزيادة التقلبات كانت نتيجة مخاوف من تسارع النمو الاقتصادي بوتيرة تزيد الضغوط التضخمية وارتفاع عوائد السندات، وبمجرد انحسار المخاوف المحمومة تبين أن إعادة تسعير السندات محدودة للغاية، وارتفعت الأسهم في كل مكان، وظل الدولار ضعيفًا للغاية.

في حين تحول اتجاه الدولار الهابط والأسهم العالمية المرتفعة بشكل مفاجئ في مايو، حينما تعرضت الأسواق لعاصفة من الصدمات السياسية، وهي ارتفاع أسعار النفط تحسبًا لعقوبات إيران، وحرب التعريفات بين الولايات المتحدة والصين، وتشكيل حكومة شعبوية يسارية يمينية في إيطاليا.

وفي أكتوبر ومع تراجع المخاطر السياسية، بدأت الأسواق الناشئة تتفوق في الأداء، واستقرت أسواق الأسهم في أماكن أخرى حتى في أوروبا، وعاد سعر النفط إلى الاستقرار بين 60 إلى 65 دولاراً وانتهت قوة الدولار.

وباختصار، يبدو أن الأسواق تتحرك على نطاق واسع بما يتماشى مع العوامل السياسية والاقتصادية الكلية المتغيرة، حتى شهد الأمر تخبطاً مفاجئاً في بداية ديسمبر.

وعلى مدار الأسابيع الثلاثة الماضية حتى 24 ديسمبر هبط مؤشر "ستاندرد آند بورز" بنحو 16% مع عدم وجود سبب واضح، كما انخفض سعر خام برنت من 61 إلى 50 دولارًا، وارتفع الدولار مرة أخرى، وانخفضت العوائد على السندات الأمريكية لأجل عشر سنوات من 3% إلى 2.7%.

وإذا كانت جميع الأساسيات تشير إلى أن النمو الاقتصادي في عام 2019 قد ينتهي به المطاف لنفس وتيرة نمو 2018 أو أعلى فلماذا هبطت أسعار الأسهم وعائدات السندات فجأة الشهر الماضي؟، وهل من الممكن أن يكون المستثمرون مرتبكين بسبب الفوضى السياسية في محاولة توقع ما يمكن أن يحدث بعد ذلك؟

وإذا كان هذا صحيحاً فإنه يعني أن الأسواق حالياً "تفاعلية" وليست "تنبؤية"، أي أنها تستنبط من الأحداث الأخيرة، بعبارة أخرى فإن لا أحد يعرف أي شئ حالياً.