د. محمد عبدالحميد الفقي
يدرك المتابع المنصف لحالة أسواق المال في المنطقة أنه لم يُبع فيها الوهم كغيرها من البورصات العملاقة، وأن اقتصادنا حقيقي وليس ورقياً، ومع ذلك انجرفت الأسعار وهوت إلى قاع سحيق بفعل القطيع مما يؤكد أن الأمر بات يحمل في طياته مجموعة من القضايا تدعونا الى التأمل والتبصر بعقيدة محايدة تحقق التوازن العادل في مصالح أطراف عملية سوق المال والحد من المخاطر المصاحبة للعملية الاستثمارية.
إن أسواق المال (الأسهم - ببساطة- عبارة عن ساحة رسمية) منظمة تجمع المستثمرين والبائعين معاً في مكان يلتقي فيه العرض مع الطلب، وتنظم عملية الدخول، والخروج من السوق بسهولة اذا ما دعت الضرورة لذلك، وتوفر المرونة الكافية في تدبير السيولة والحد من الخسائر بل وتحقيق المكاسب، كما يمكن من خلاله ايجاد نوع من توازن المصالح بين المستثمرين والأسواق بشكل فاعل، ومنع الانهيارات التي تؤدي الى فقدان الثروات، والإحجام عن الاستثمار في الأسهم وما ينتج عن ذلك من مشاكل اقتصادية، واجتماعية، بل وسياسية لا حصر لها، وحيث ان أسعار الأسهم بوضعها الراهن غير عادلة ولا تعبر عن حقيقة شركات قائمة وحقيقية وانتاج حقيقي فما هي المشكلة؟ أيعقل أن يكون للأموال الساخنة كل الدور الفاعل في البورصات الناشئة، ولمصلحة من اغفال دور المستثمر الحقيقي الموجود فعلا؟ أم أن المحفزات ذات الدور الفاعل غير كافية لتحقيق الانصاف والعدالة والمحافظة على الثروات؟
الا أنه يمكن القول إن توزيعات الأرباح هي من الأدوات الايجابية لوقف تدهور أسعار أسهم الشركات، وحماية مصالح المساهمين وسمعة الشركة وأيضا قياس كفاءة الإدارة، وأحد الخيارات في هذا الاطار اعادة شراء أسهم الشركة خاصة عندما يقترب سعرها السوقي من القيمة الاسمية- فيتوجب الحفاظ على قيمتها الدفترية (حقوق الملكية) على الأقل. والتوزيعات هو معلوم قد تكون نقدية (سنوية أو فصلية)، وقد تكون أسهم منحة. ومن واجب الادارة أن توازن بين حاجات السيولة لتسيير أعمال الشركة عند اتخاذ قرار باعطاء توزيعات نقدية. ومعنى التوزيعات النقدية ضخ سيولة إلى الأسواق بالقدر الذي لا يؤثر في حرمان الشركة من مبالغ ضرورية لأعمالها خلال مرحلة مقبلة، وخصوصا عندما تواجه نقصا في السيولة لدى المنظومة المالية، بينما قد يؤدي اللجوء إلى أسهم المنحة إلى وضع مجلس الادارة أمام تحد كبير يتمثل في المحافظة مستقبلا على مستويات عائد مقبول لرأس المال بفعل صعوبة ضمان زيادة الأرباح من جهة وارتفاع حجم رأس المال من جهة أخرى.
لا شك في أن موضوع التوزيعات معقد ويحتاج إلى موازنة بين مصالح الشركة الآنية والمستقبلية، ومصالح المساهمين، والقيمة السوقية للسهم، والتفاعل مع أسواق المال وأسواق الائتمان. فالمساهمون يريدون من الشركات تعويضا معقولاً أو عائداً مشجعاً على استثماراتهم باعتبار ذلك يمثل مصدراً اضافياً لدخولهم لمواجهة أعباء وتكاليف المعيشة المتزايدة والمتغيرة- فليس كل مستثمر في الأوراق المالية مضارباً، ووجود المستثمر الحقيقي أفضل ضمان لاستقرار الأسواق ولكن هل من محفز؟ ولا أحد يرغب في تحمل أية خسائر بفعل انخفاض الأسعار، كما ترى ادارة الشركة ضرورة ادارة الأداء التشغيلي والمالي بأفضل الطرق الممكنة للعبور بالشركة من تأثيرات الأز مة المالية العالمية بأقل خسائر ممكنة، ولذلك تسعى الى المحافظة على نمو الأرباح بالمستويات السابقة على الأقل، أما القيمة السوقية للسهم التي تدنت إلى أقل من قيمتها الدفترية بل إلى أقل من قيمتها الاسمية فهي عنصر منفر للاستثمار في الأسهم وعامل خسائر مؤكدة يؤدي إلى هروب رؤوس الأموال من هذا القطاع الاقتصادي الحيوي. أما السوق الائتماني فأمام حالة من الترقب والخوف من الأسوأ وذلك يجعل المصارف تتمهل في عملية الاقراض أو وضع شروط ائتمانية أعلى بناء على دراسة المخاطر، فضلا عن أن المصارف أيضا هي شركات توازن بين مصلحة استمرار الأعمال ومصالح مساهميها (كل ذلك جعل المنظومة متشابكة).
ومعلوم أن المستثمر الحقيقي يُقدم على الاستثمار عندما تكون الأوضاع الاقتصادية بشكل عام جيدة، أي أن هناك عائدا من المخاطرة بالاستثمار يساعد على رفع مستوى معيشة الأفراد والمجتمعات ويرقى بالمستوى الاقتصادي العام، ومن شأن ذلك توفير المزيد من الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي لأي دولة، فضلا عن استقطاب رؤوس الأموال وتوفير الأمان لها. ووصول قيمة الأسهم الى ما دون قيمتها الاسمية- كما الوضع الراهن- يعني أن أغلب المستثمرين المحليين قد فقدوا معظم ثرواتهم. لذلك يجب النظر إلى المستثمرين المحليين، مواطنين ووافدين، على أنهم الركيزة الأساسية لبناء استثمار حقيقي مستقر، وبالتالي يجب العمل على تشجيع مثل هذا الاستثمار، وحفزه واستقطاب المزيد منه وضمان الاستقرار له.
وحيث إن أسواق المال في المنطقة مصنفة على أنها ناشئة والقيمة السوقية نسبيا صغيرة فسوف تتجاوز العاصفة الأشد التي حملتها الأزمة المالية العالمية، وسوف تتعافى من تداعياتها بسرعة عن غيرها ولكن بادارة فاعلة. ولئن شهدت أسعار الأسهم انخفاضا فعليا غير مسبوق الا أن ذلك لا يعد كارثيا بحد ذاته، وسوف تنهض من جديد لأنها تملك الكثير من عناصر القوة الدافعة مثل: تكامل البيئة القانونية، والمرونة في تطويرها بما يخدم المصلحة الوطنية وتحقيق العدالة وتوفير الأمن والأمان والاستقرار. و البنية التحتية مهيأة والتطوير إلى الأفضل فيها لا يتوقف، العدالة في المعاملة وهو خلق الأمة ووجود حوافز وفرص استثمارية يصعب توافرها في مكان آخر، فهي لا تفرض ضرائب شخصية وتكفل حقوق الملكية للشركات مثلاً. والموقع الاستراتيجي لدبي متفرد ووسط بين الشرق والغرب ومنه يسهل الوصول الي أسواق أكبر في الشرق الأوسط وشمال افريقيا وشرقها وشبه القارة الهندية وتضم حوالي 3 مليارات نسمة. وتنوع موارد المنطقة ووفرتها جعلاها من أسرع اقتصادات العالم نموا. ومن هنا تتحقق مصداقية الدولة والمجتمع، ونود المحافظة على ذلك ورقيه واستمراره عزاً للأمة. وقد حان الوقت لطرح أهم الحلول على بساط البحث ومعادلة الأزمة، ومنها:
1- السعي الي تطبيق أرقى معايير تقييم الأداء والشفافية وأفضل ممارسات حوكمة الشركات علي جميع الصعد، فالرقابة والشفافية الصحيحة لابد أن تبدأ من الداخل لا أن تُلزم بها الدولة والمجتمع.
2- وضع سقف للتراجع السعري لكل سهم بحيث لا يتجاوز التراجع القيمة الاسمية للسهم والا أوقف التداول عليه إلى أن يتحسن الطلب.
3- عندما تنحدر قيمة السهم إلى ما دون قيمته الاسمية يتوجب علي الشركة التدخل لشراء أسهمها (بحدود 2: 3%) على أن يتم الشراء وفق الضوابط والشروط التي تقررها هيئة الأوراق المالية والسلع في الدولة.
4- إلزام الشركات بتوزيعات سنوية للأرباح المحققة سواء كان التوزيع نقدا أو أسهم منحة، اذ لا يعقل أن تكون هناك شركات قائمة وناجحة وتحقق أرباحا سنوية مجزية وتحجم عن التوزيع على المساهمين على مدى ثلاث سنوات متصلة أو يزيد وتنتظر أن يكون للسهم قبول لدى المستثمرين، ثم أين العدالة؟ أليس في توزيع الأرباح دعم للسيولة لدى المساهمين وتشجيع لهم على اعادة تدويرها في الأسهم من جديد؟
5- عدم تقاضي علاوة اصدار من المساهمين في حالة اصدار أسهم زيادة رأسمال الشركة.
6- وقف البيع القسري للأسهم اذا ما انحدرت الي قيمتها الاسمية (كمبدأ) كبحاً لجماح الخسائر المتعاقبة من قبل المستثمرين.
7- أن تتدخل الصناديق الاستثمارية الحكومية في مثل هذه المرحلة، فذلك مجد لها استثماريا واقتصاديا ويكفي أنها ستشتري أسهم شركات قائمة وحقيقية بسعر اسمي.
8- هناك حاجة إلى خلق ودعم روح الولاء أكثر لدى العاملين الوافدين والعمل على استقرارهم ولو على سبيل الانتقاء- الاقتصادي والعلمي والنوعي- وحاجة الخطط القومية وبما يحقق الأماني الوطنية للبلاد، ومن ذلك نظام منح “اقامة تقاعد” للعاملين في شركاتهم، وابتكار نظام “معاشات تقاعدية” لهم. ويمكن دراسة تجربة مملكة البحرين في ذلك. وهذا من شأنه ضمان استقرار عائلي للأسر ودعم الهوية واستثمار أي مدخرات يمكن أن تتحقق لهذه الفئة داخل الدولة.
مثل هذه الاجراءات المقترحة سوف تبعث الطمأنينة في نفوس المستثمرين المحليين الذين هم العماد الحقيقي لأسواق الأسهم، وتجعل الأسواق قادرة على جذب هذه الفئة وتقوية الأسواق، وزيادة معدلات النمو الاقتصادي واستقراره، وتحقيق التوازن العادل لجميع الأطراف، والحد من المخا