عندما يقف المسئولون الاقتصاديون عندنا ويؤكدون ان الوضع الاقتصادي في مصر مستقر وآمن برغم تداعيات الأزمة المالية العالمية الحالية, فإنهم لا يتحدثون من فراغ, أو يقولون مجرد كلام للاستهلاك المحلي, إن لدي هؤلاءالمسئولين بالتأكيد أرقاما ومؤشرات وحقائق اقتصادية يستندون إليها فيما يقولون. ولكيلا نستغرق في حديث الخطابة والإنشاء والكلام المنمق دعونا ندخل مباشرة الي هذه المؤشرات الدالة علي قوة الاقتصاد المصري.
إن في مصر أولا نظاما مصرفيا في منتهي العافية والقوة, والأدلة علي ذلك كثيرة, منها أن الاحتياطيات من النقد الاجنبي في خزائن البنك المركزي قوية, وهي تكاد تقترب من رقم الأربعين مليار دولار, وهو رقم ليس سهلا لمن لا يعلمون.. ثم ان السيولة في قطاعنا المصرفي عالية, وطبعا نحن نعرف أهمية توافر السيولة لتدوير الاقتصاد, وكذلك فإن ودائع المواطنين عندنا في مصر في أمان كامل بسبب الضوابط الصارمة جدا التي يضعها البنك المركزي لتأمين هذه الودائع. وايضا فإن عملية الائتمان ومنح القروض في مصر تخضع لضمانات عديدة, مما يؤدي في النهاية الي الحفاظ علي اموال البنوك, ويعرف الاقتصاديون جيدا أن مؤسسات صناعة الائتمان( يعني البنوك) هي شرايين الجسد الاقتصادي, فإذا صحت الشرايين صح الجسد كله!
ثم ان في مصر ثانيا شركات للإنتاج في كل مجالات الحياة, من مواد غذائية, إلي مستلزمات البناء, الي غزل ونسيج, الي شركات خدمات الي إنتاج سيارات.. وغيرها.. ومعلوم طبعا أن هذه الشركات تستوعب ملايين المواطنين الذين يعملون بها.. وتتمتع أوضاع هذه الشركات بمراكز ممتازة ولم تتأثر حتي الآن بما يجري في الخارج. ثم إن هناك ثالثا حركة تصدير واستيراد.
وهنا يجب التذكير بحقيقة أن الاقتصاد المصري جزء من الاقتصاد العالمي كله, خاصة فيما يتعلق بمسألة الصادرات والواردات هذه, وهنا فإن الحديث عن أن الصادرات المصرية للخارج لن تتأثر سيكون حديثا لن يصدقه احد. ومع ذلك فإن الصحيح ايضا أنه من الممكن جدا تلافي وقوع الضرر علي الصادرات المصرية.. إذا سارعنا من الآن ودرسنا بعناية حركة السوق العالمية.. وهذا بالضبط ما تفعله الحكومة الآن, ولعلنا هنا نلتفت الي ما تشهده أروقة الحكومة من اجتماعات متواصلة لبحث هذا الموضوع.
وعلي سبيل المثال فإن الاسبوع الحالي سيشهد سلسلة من الاجتماعات الوزارية برئاسة الدكتور نظيف رئيس مجلس الوزراء لبحث انعكاسات الأزمة المالية العالمية علي الاقتصاد المصري. كما تدرس الحكومة حاليا بعض الإجراءات العاجلة في هذا الصدد.. وايضا ستعقد الأمانة العامة للحزب الوطني ولجنة السياسات اجتماعات مماثلة لوضع رؤية محددة للتحرك تقوم علي التنسيق بين الحكومة والحزب الوطني والجهاز المصرفي وممثلي منظمات رجال الأعمال.
إضافة الي ذلك فإن وزارة التجارة والصناعة ستعقد عدة اجتماعات هذا الاسبوع لبحث سبل مساندة قطاع التصدير, وتفعيل دور شركة ضمان مخاطر الصادرات المصرية, وأعلنت مصادر الوزارة أن الوزارة تعكف حاليا علي إعداد قائمة بكبار المستوردين العالميين الذين يستوردون السلع والمنتجات المصرية للاتصال بهم لضمان سدادهم لقيمة هذه الصادرات المصرية التي يستوردونها.. وكذلك سيجري بحث كيفية مساندة الشركات المصرية المصدرة بواسطة صندوق مساندة الصادرات الذي خصصت له الحكومة ملياري جنيه للقيام بمهمة المساندة تلك.
إذن نحن أمام تحرك واع من جانب الحكومة بخطورة ما يشهده الاقتصاد العالمي الآن من انتكاسات, وبأهمية دراسة تأثير هذه التطورات علينا نحن هنا في مصر, كما اننا امام مصارحة واقعية من جانب كل قطاعات المجتمع بخطورة الموقف, وأن الوقاية دائما هي خير من انتظار وقوع المرض ثم التفكير بعد ذلك في العلاج.. فقط علينا أن نعي حقيقة بديهية هي أن الذعر المبالغ فيه يؤدي الي الشلل, وبالتالي عدم التحرك السليم, ومادامت المؤشرات كلها تؤكد أن الاقتصاد المصري بخير فإننا بذلك نكون علي الطريق الصحيح للحفاظ علي معدل النمو الذي بلغناه نتيجة لنجاح خطوات الإصلاح الاقتصادي التي اتخذناها.